النهار
بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
في أسواق الطاقة ؛ لا تُقاس القرارات بجرأتها بقدر ما تُقاس بقدرتها على إصابة اللحظة الصحيحة.
فالسوق النفطي لا يتحرك كرقم في نشرة أسعار، بل ككائن اقتصادي يتنفس بين حالتين متناقضتين: فائض يضغط على القيمة، وعطش يرفعها إلى مستويات لا تُقاس بخط مستقيم.
في هذا الإطار ؛ تبدو الفكرة التي صاغها الاقتصادي هربرت سايمون أكثر حضورًا من أي وقت مضى حين قال : إن القرار البشري “ليس عقلانياً بالكامل، بل محدود العقلانية داخل حدود الزمن والمعلومة”، وهي عبارة تتجسد حرفيًا في أسواق النفط، حيث لا يكفي امتلاك الموارد، بل يجب امتلاك القدرة على قراءة اللحظة قبل اكتمال صورتها.
حين يدخل السوق حالة “العطش” ؛ لا يعود البرميل مجرد سلعة، بل يصبح وحدة ضغط اقتصادي تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة مع الطلب العالمي.
وفي هذه اللحظة تحديدًا ؛ يتحول السؤال من “كم ننتج؟” إلى “متى نتحرك؟”، وهو سؤال أقرب إلى الفلسفة منه إلى المحاسبة.
الاقتصادي جون ماينارد كينز لخّص هذا النوع من اللحظات بعبارته الشهيرة: “السوق يمكن أن يبقى غير عقلاني لفترة أطول مما يمكنك البقاء قادرًا على الدفع”، وهي مقولة تتجلى في أسواق النفط حين تمتد فترات الاختلال بين العرض والطلب، فتتغير الأسعار بشكل لا يعكس الواقع الإنتاجي بقدر ما يعكس التوتر المؤجل في النظام.
يمكن النظر إلى السوق هنا كمنظومة ديناميكية أقرب إلى خوارزمية ضغط: كلما ارتفع الطلب الفوري مقابل عرض محدود، ارتفعت القيمة الحدية للبرميل بطريقة غير خطية.
وفي هذا السياق ؛ تصبح عبارة الاقتصادي الأمريكي بول صامويلسون ذات دلالة حين قال: “الأسواق لا تتنبأ بالمستقبل، بل تسعّر الخوف والأمل في الحاضر”، وهو ما يفسر القفزات السعرية في لحظات العطش النفطي.
التاريخ يقدم اختبارات قاسية لهذه الفكرة.
في عام 1973 ؛ لم تكن الأزمة مجرد نقص في الإمدادات، بل إعادة تشكيل كاملة لمفهوم القوة في سوق الطاقة، وهو ما ينسجم مع رؤية دانييل يرغين في كتابه “الجائزة” حين وصف النفط بأنه “أداة قوة قبل أن يكون سلعة”، إذ تحولت الندرة إلى نفوذ سياسي يعيد رسم خرائط الاقتصاد العالمي.
وفي منتصف العقد الثاني من الألفية ؛ جاءت مرحلة فائض الإنتاج لتكشف الوجه الآخر للمعادلة.
الأسعار انهارت ؛ لأن السوق لم يعد يعاني من العطش، بل من التخمة، وهو ما يعكس ما قاله الاقتصادي إدوارد تشامبرلين عن أن “الأسواق التنافسية تعاقب الإفراط كما تكافئ الندرة ؛ لأن التوازن هو الحالة الوحيدة المستقرة”.
حتى في صدمة 2020، حين انهار الطلب العالمي بشكل مفاجئ ؛ بدا أن السوق يتصرف خارج النماذج التقليدية، لكن الحقيقة أنه كان يعيد تعريف العلاقة بين العرض والطلب تحت ضغط حدث خارجي، وهو ما ينسجم مع مفهوم “الصدمة النظامية” في الاقتصاد السلوكي.
ضمن هذا الإطار ؛ يصبح اتخاذ القرار في سوق "عطشان " أقرب إلى ممارسة حساب احتمالي معقد لا إلى اختيار خطي بسيط.
فالزيادة المدروسة في الإنتاج قد تتحول إلى تضخيم مباشر للعائد، بينما يؤدي التردد إلى خسارة نافذة سعرية لا تعوّض، ويقود الإفراط إلى تحويل العطش إلى فائض يكسر السعر من الداخل.
ومن زاوية أعمق ؛ يمكن استدعاء مقولة الاقتصادي فريدريش هايك حين قال إن “السعر ليس مجرد رقم، بل إشارة تحمل معرفة موزعة عبر السوق”، وهي فكرة تفسر كيف تتحول أسعار النفط في لحظات العطش إلى لغة عالمية تختصر كل شيء في لحظة واحدة.
في النهاية ؛ يبقى جوهر الاقتصاد النفطي أبعد من الإنتاج نفسه.
إنه اقتصاد زمن قبل أن يكون اقتصاد موارد، واقتصاد إدراك قبل أن يكون اقتصاد أرقام.
ففي سوق عطشان ؛ لا تُقاس القوة بحجم ما تملكه من براميل، بل بقدرتك على قراءة اللحظة التي يتحول فيها العطش إلى موجة سعرية قبل أن يكتمل تشكلها .
ومن يفهم ذلك ؛ لا يكون مجرّد لاعب ، بل جُزءاً من هندسة حركته.