النهار

٢٧ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ ابريل-٢٠٢٦       4070

بقلم ـ علي بن عيضة المالكي 

يبدأ التآكل العقلي بخفوت داخلي يكاد لا يُرى، ثم يمتد بهدوء حتى يطال جوهر الإدراك. في لحظته الأولى تفقد البصيرة صفاءها، فتتراجع القدرة على قراءة الواقع قراءة متزنة، ويختل ميزان الحكم. تتبدل مواقع القيم، فيغدو الصواب قابلًا للتأويل، ويجد الخطأ طريقه إلى التجميل.
حين تضعف البصيرة، ينشأ التبرير كبديل مريح.  أقول حين تضعف البصيرة ينشأ التبرير فيتسلل إلى الفكر فيصوغ الحجة وفق الهوى، ويعيد ترتيب الوقائع حتى تبدو منسجمة مع رغبات النفس. هنا يفقد العقل صرامته، وتغيب عنه شجاعة الاعتراف، فيتحول التفسير إلى أداة دفاع، ويصير الخطأ موقفًا يُدافع عنه بدل أن يتم تصحيحه.
يمتد الضرر إلى السلوك اليومي، فتتسع الفجوة بين القول والعمل. تُرفع الشعارات في العلن، وتُهمل مقتضياتها في الخفاء. يفقد الإنسان اتساقه الداخلي، ويعيش ازدواجية تُرهق ضميره وتبدد طاقته. ومع مرور الوقت تتبلد الحساسية الأخلاقية، فيعتاد رؤية الجنوح دون إنكار، ويستسلم لواقع يصنعه بنفسه.
يتعمق التآكل حين يضعف الإصغاء، وتعلو نبرة الجدل. تتحول الحوارات إلى مساحات لإثبات الذات، فيغيب البحث عن الحقيقة، ويترسخ العناد. ينغلق العقل أمام الأفكار الجديدة، ويقاوم المراجعة، فتتقلص فرص التعلم ويتوقف النمو. عند هذه المرحلة يصبح التبرير ثقافة راسخة، ويغدو التصحيح مهمة مؤجلة.
هنا يمكن أن نصل إلى بطلان العقل حيث لا يظهر فجأة، غير أنه يتسلل تدريجيًا حتى يصبح نمطًا ثابتًا في التفكير والسلوك. ويمكن ملاحظة هذا التجاوز من خلال مجموعة من العلامات الواضحة:
أول هذه العلامات اضطراب ميزان الحكم؛ حيث يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ، فيبرر الأخطاء ويجمّلها، ويستهجن القيم السليمة وكأنها عبء ثقيل عليه.
ومن العلامات أيضًا الانقياد الأعمى؛ إذ يتبع الشخص الآراء دون تمحيص أو تفكير، فيكتفي بالتقليد ويخشى النقد أو المراجعة، فتضعف شخصيته الفكرية ويغيب استقلاله العقلي.
كذلك يظهر تدهور العقل في حب الجدل العقيم؛ حيث يتحول النقاش إلى ساحة للانتصار للنفس لا للبحث عن الحقيقة، فيكثر العناد ويقل الإصغاء، ويصبح الرأي غاية في ذاته.
ومن أبرز المؤشرات تضخم الأنا؛ إذ يرى الإنسان نفسه دائمًا على صواب، ويرفض الاعتراف بالخطأ، فتغلق أمامه أبواب التعلم والتطور.
كما يتجلى في التناقض السلوكي؛ فيحمل أفكارًا يدّعيها ولا يطبقها، فتتسع الفجوة بين القول والفعل، ويضعف التمازج الداخلي.
ولا يغيب عن ذلك ضعف الوعي؛ حيث يعيش الشخص سطحيًا، يتأثر بكل ما يسمع دون تحليل، ويغيب عنه إدراك العواقب أو فهم السياق.
ومن علاماته كذلك تبرير الظلم أو القبول به؛ إذ يفقد الحس الأخلاقي، ويعتاد رؤية الخطأ دون إنكار، فيتحول الصمت إلى شراكة ضمنية.
إن الأثر لا يقف عند حدود الفرد، فالمجتمع يتأثر بعقول أفراده. حين ينتشر التبرير تتراجع المعايير، وتفقد القيم قوتها الضابطة. تُبنى القرارات على قراءة مشوشة، فتتعثر المشاريع وتضيع الفرص. يضعف الإحساس بالمسؤولية، ويختفي الشعور بالمحاسبة، فتزداد الفجوة بين الإمكانات والنتائج.
الخروج من هذا المسار يبدأ بإحياء البصيرة. يحتاج الفرد إلى مراجعة صادقة وإلى شجاعة تقبل الخطأ، وإلى تدريب دائم على التفكير النقدي. في القراءة الواعية، والحوار المتزن، والانفتاح على الرأي الآخر تعيد للعقل توازنه. كما أن تهذيب النفس ومحاسبتها يعيدان ترتيب الأولويات، ويمنحان القيم حضورها الفاعل.
التآكل العقلي مسار يمكن وقفه متى عاد العقل إلى نوره الأول. البصيرة حين تستيقظ تفضح التبرير، وتعيد للأفكار نقاءها، وللسلوك صدقه. عندها يستعيد المرء اتساقه، ويعود قادرًا على بناء حياة تقوم على وضوح الرؤية وصلابة الموقف
قبل أن أختم:
العقل السليم يتجدد، يراجع، يتواضع أمام الحقيقة، ويبحث عن الصواب حتى لو خالف هواه. أما حين يفقد هذه الصفات، تبدأ ملامح التلف في التكون فيتجمد الفكر عند حدود التغيير عندها يصاب بالجمود والتبلد فيرفض التعلم، ويتمسك بما اعتاد عليه مهما ثبت خطؤه، فيتوقف نموه العقلي ويبدأ في التراجع، أعني التراجع الذي يقود إلى الضياع.