الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ ابريل-٢٠٢٦       3025

بقلم ـ ابتسام الحمدان

ليس كلُّ رجلٍ يتهرّب من مسؤولياته وُلد كذلك؛ فجذور هذا السلوك غالبًا ما تمتد إلى سنوات الطفولة الأولى، حين يُسمح له بالتخلّي عن واجباته دون محاسبة، أو يُعوَّض عن تقصيره بمن يقوم عنه بكل شيء. 
هناك تتشكّل أولى ملامح الهروب: من المذاكرة، من الالتزام، ومن تحمّل نتائج الأفعال.

يكبر الطفل، ويكبر معه نمط الهروب. يتحوّل من تلميذ يتهرّب من واجباته، إلى شاب يعتمد على غيره في اتخاذ قراراته، ثم إلى رجل يبحث عن ذاته في الآخرين، معتقدًا أن من حوله مسؤولون عن تحقيق رغباته، أو ملء فراغاته، أو حتى إصلاح أخطائه. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

وفي مراحل متقدمة من حياته، لا يعود  الهروب  سلوكًا عابرًا، بل يتحوّل إلى أسلوب حياة. 
يهرب من ضغوط أسرته بالانشغال في عملٍ إضافي لا ضرورة له، أو بالانغماس في علاقات اجتماعية سطحية، أو بالسفر المستمر، أو حتى بفتح بيتٍ ثانٍ ظنًّا منه أنه حلّ، بينما هو في الحقيقة انتقالٌ من مسؤولية إلى أخرى دون وعي أو قدرة على إدارة أيٍّ منهما.

هذا النمط لا يعكس قوة، بل يكشف هشاشة داخلية وعجزًا عن المواجهة. 
فالرجل الذي لم يتعلّم كيف يواجه مشكلاته، لن يستطيع بناء أسرة مستقرة، ولن ينجح في احتواء الخلافات أو تحمّل تبعات قراراته. 
مع تكرار هذا السلوك، تتّسع الفجوة داخل الأسرة، وتُهدم جسور الثقة، وتغدو الحياة الزوجية بيئة خصبة للتوتر والانفصال.

غير أن تحميل الرجل وحده مسؤولية خراب البيوت طرحٌ قاصر؛ فالمسألة أعمق من فرد، إنها منظومة تبدأ من التربية، مرورًا بالمجتمع الذي قد يغضّ الطرف عن هذا السلوك أو يبرّره، وصولًا إلى غياب ثقافة المحاسبة الذاتية وتعزيز الاستقلالية منذ الصغر.

الحل لا يكون باللوم، بل بالوعي. نحتاج إلى تربية تُعلّم أبناءنا — ذكورًا وإناثًا — أن المسؤولية ليست عبئًا، بل نضج، وأن المواجهة ليست قسوة، بل شجاعة.
 نحتاج إلى بناء جيلٍ يدرك أن  الهروب  لا يُلغي المشكلة، بل يؤجّلها حتى تكبر وتثقل كاهله.

في الختام، البيوت لا تُهدم فجأة، بل تتآكل بصمت… حين يختار أحد أطرافها  الهروب  بدل المواجهة.