الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ ابريل-٢٠٢٦       4620

بقلم  - أ - حذامي محجوب 

   ليست العلاقات بين الدول مجرد عناوين براقة تُتلى في المحافل الدولية ، ولا بيانات رسمية تُصاغ بعناية لتبدو متوازنة ، بل هي مواقف تُقاس في لحظات الشدة . 
   ففي أزمنة الاستقرار ، تبدو شبكة العلاقات واسعة ومطمئنة ، لكن مع أول اختبار حقيقي ، تنكشف الحقائق وتسقط الزخارف ، ليظهر جوهر هذه العلاقات كما هو ، دون تزيين أو مجاملة .
     لقد شكلت الحرب الأخيرة ، التي تداخلت فيها مصالح قوى كبرى ، لحظة فارقة لم تكن سياسية فحسب ، بل أخلاقية أيضا . 
   فقد وضعت هذه الأزمة  العلاقات الدولية  ، خاصة في محيطنا الإقليمي ، أمام امتحان صعب ، أظهر بوضوح أن بعض الدول ، التي طالما استفادت من علاقاتها مع دول الخليج ، لم ترتقِ إلى مستوى التحدي ، بل اختارت مواقف متناقضة مع أبسط معايير الوفاء .
     كان من المتوقع ، على الأقل ، أن تتبنى هذه الدول مواقف متوازنة ، أو تعبر عن رفضها لأي تهديد يطال أمن شركائها واستقرارهم ، خصوصاً أنها تستفيد من احتضان هذه الدول لمواطنيها وتوفير فرص العيش الكريم لهم .

لكن الواقع جاء مخيبا ، إذ ساد الصمت في كثير من الحالات ، فيما ذهبت بعض المواقف إلى حد الانحياز الواضح ، متجاهلة تاريخا طويلاً من الدعم والمساندة .
    فعلى مدى السنوات الماضية ، كانت دول الخليج حاضرة في أوقات الأزمات ، سواء خلال جائحة كورونا عبر الدعم الطبي والمالي ، أو في مواجهة الكوارث الطبيعية ، أو من خلال الاستثمارات التي ساهمت في استقرار اقتصادات عدة دول . 
  ولم تكن تلك المساعدات مشروطة ، بل انطلقت من رؤية تقوم على التضامن والمسؤولية المشتركة .
     غير أن ما أفرزته هذه الحرب يطرح تساؤلات عميقة : ما جدوى الدعم إذا لم يُقابل بموقف ؟ .
   وما قيمة الشراكات إذا تلاشت عند أول اختبار ؟ .
  فالعلاقات التي تُبنى على المصالح فقط ، دون أساس أخلاقي ، تظل عرضة للتصدع والانهيار مع أول أزمة .
     كما كشفت هذه الأزمة عن خلل في الذاكرة السياسية لدى بعض الدول ، التي تستحضر الدعم عند الحاجة ، وتتجاهله عند الاستحقاق . 
    وهذا السلوك لا يمكن أن يمر دون تأثير على مستقبل العلاقات، إذ لا يمكن لأي طرف أن يستمر في العطاء دون مراجعة حقيقية لشركائه .
    من المؤكد أن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها . 
    فالدول التي شعرت بأن أمنها لم يُصن ، وأن علاقاتها لم تُحترم ، ستعيد ترتيب أولوياتها، وستبحث عن شركاء يثبتون حضورهم في الأوقات الصعبة ، لا في لحظات المجاملة فقط .
     في النهاية ، تظل الحقيقة ثابتة  : في السياسة كما في الحياة ، تُعرف قيمة الأصدقاء في الشدائد ، ومن يتخلف عن الوقوف معك في لحظة الاختبار ، لا يمكن التعويل عليه في أوقات الاستقرار .