النهار

٢١ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ ابريل-٢٠٢٦       2200

بقلم- شموخ نهار الحربي 


نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا ونحن نتعلّم كيف نبدو أقوى مما نشعر. نضبط ملامحنا، نختار كلماتنا بعناية، ونخفي تلك الرجفة الخفيفة في أعماقنا. يبدو الأمر وكأنه مهارة مكتسبة مع الوقت؛ أن تتقن التماسك، أن تعرف متى تبتسم، ومتى تصمت، ومتى تقول “أنا بخير” حتى وإن لم تكن كذلك. ومع تكرار ذلك، تتحول القوة إلى قناع، والهشاشة إلى سر لا يُقال.

في الخارج، كل شيء يبدو متزنًا. تمضي في يومك، تؤدي واجباتك، تضحك حين يجب أن تضحك، وتواسي غيرك وكأنك تملك ما يكفي من الثبات للجميع. لكن في الداخل، هناك مساحة أخرى تمامًا؛ مساحة أكثر هدوءًا، وأكثر صدقًا، لكنها أيضًا أكثر تعبًا. هناك أفكار تتكرر، وأسئلة لا تجد إجابة، وثقل خفي لا يراه أحد. كأنك تعيش بنسختين: واحدة يراها العالم، وأخرى تحاول فقط أن تبقى واقفة.

الهشاشة ليست دائمًا دموعًا ظاهرة أو انهيارًا صريحًا. أحيانًا تكون في تلك اللحظات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد؛ حين تتردد قبل اتخاذ قرار بسيط، حين يمرّ تعليق عابر ويترك أثرًا أعمق مما ينبغي، حين تشعر بأنك تحتاج أن تتكئ على شيء أو أحد، لكنك تتراجع في آخر لحظة. هي في ذلك الصمت الطويل الذي يسبق النوم، حين تتساقط كل الأقنعة، وتبقى وحدك مع نفسك، بلا ترتيب ولا تبرير.

نُخفي هشاشتنا لأننا نخشى أن تُفهم خطأ. نخاف أن يُنظر إلينا كأشخاص ضعفاء، أو أن تُستغل تلك اللحظات التي نظهر فيها حقيقتنا. ربما تعلّمنا من تجارب سابقة أن الانكشاف ليس آمنًا دائمًا، وأن بعض القلوب لا تعرف كيف تحتوي، بل تعرف فقط كيف تحكم. لذلك نختار أن نتماسك، ليس لأننا لا نحتاج، بل لأننا لا نثق بأن الحاجة ستُقابل بما يليق بها.

ومع الوقت، يصبح التماسك عادة. نحمل أنفسنا فوق طاقتنا دون أن نشعر. نؤجل التعب، نؤجل الاعتراف، نؤجل حتى البكاء. نقنع أنفسنا أن كل شيء تحت السيطرة، وأننا قادرون على الاستمرار بهذا الشكل إلى ما لا نهاية. لكن الحقيقة أن ما يُؤجَّل لا يختفي، بل يتراكم بهدوء. يتجمع في الداخل، في شكل ثقل غير مفهوم، أو ضيق مفاجئ، أو رغبة غامضة في الهروب من كل شيء.

الغريب في الأمر أن من يُجيد إخفاء هشاشته، غالبًا ما يكون أكثر الناس إحساسًا. يشعر بعمق، يلاحظ التفاصيل، ويتأثر بما لا يراه غيره. لكنه في المقابل، لا يمنح نفسه نفس المساحة التي يمنحها للآخرين. يُجيد أن يكون سندًا، لكنه يتردد في أن يطلب السند. كأن العطاء مسموح، لكن الاحتياج مؤجل دائمًا.

وهنا تبدأ المفارقة: نظن أن القوة هي أن نستمر دون أن نتوقف، دون أن ننهار، دون أن نطلب. لكن هل هذه قوة فعلًا؟ أم أنها مجرد طريقة أخرى للهروب؟ القوة الحقيقية ربما تكون في الاعتراف، في تلك اللحظة التي تقول فيها لنفسك قبل أي أحد: “أنا متعب”. في أن تسمح لنفسك أن لا تكون بخير، دون أن تشعر أنك فشلت في شيء.

ليس المطلوب أن نكشف أنفسنا لكل أحد، ولا أن نُسقط كل الحواجز دفعة واحدة. لكن على الأقل، أن نكون صادقين مع أنفسنا. أن نمنحها مساحة تتنفس فيها، دون ضغط، دون تمثيل. أن نفهم أن الهشاشة ليست ضد القوة، بل جزء منها. فالشخص الذي يعرف ضعفه، ويستوعبه، ويتعامل معه بلطف، هو في الحقيقة أقوى بكثير ممن يتجاهله أو ينكره.

أحيانًا، كل ما نحتاجه هو لحظة هدوء صادقة. جلسة مع النفس بلا أقنعة، بلا محاولات للتجميل. أن نسأل أنفسنا بصدق: كيف أشعر؟ ولماذا؟ دون استعجال للإجابة، ودون خوف منها. في تلك اللحظات، نكتشف أن كثيرًا مما نحمله لم يكن يحتاج إلا أن يُرى، أن يُعترف به، لا أن يُقاوم طوال الوقت.

وفي النهاية، لسنا مضطرين أن نكون صلبين دائمًا. لسنا آلات تتحمل بلا حدود. نحن بشر، نحمل في داخلنا مزيجًا معقدًا من القوة والهشاشة، من الثبات والتعب، من الرغبة في الاستمرار والحاجة إلى التوقف. وما يجعلنا أكثر إنسانية، ليس قدرتنا على إخفاء هذا التناقض، بل قدرتنا على تقبّله