النهار

٢١ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ ابريل-٢٠٢٦       2145

بقلم ـ علي بن عيضة المالكي

في خضم إيقاع العمل المضطرد، فإننا لا نقيس الكفاءة بعدد الساعات التي يقضيها الموظف خلف مكتبه، أو في مؤسسته أو مكان عمله أو حصته أو حتى عيادته ولا بحجم المهام التي يكدّسها على عاتقه، وإنما بقدرته على إدارة ذاته ضمن إطار صحي يحفظ توازنه ويصون طاقته. هنا تتجلى قيمة الحدود المهنية بوصفها خطًا ذكيًا يفصل بين العطاء المستمر والاستنزاف الخفي الذي لا يُرى في بدايته لكنه يترك أثره بمرور الوقت.
في بيئات العمل الحديثة، لم يعد الضغط المهني استثناءً، وإنما أصبح جزءًا من يوميات الموظف. ومع هذا التحول، برزت الحاجة إلى وعي أعمق بمفهوم الحدود المهنية، ليس بوصفها قواعد جامدة، وإنما بوصفها منظومة داخلية تنظم علاقة الإنسان بعمله، وتحدد شكل تفاعله مع المسؤوليات والآخرين. هذا الوعي لا ينشأ صدفة، وإنما يتشكل عن طريق الخبرة، والتجربة، وإدراك الإنسان لطبيعة طاقته النفسية وقدرته على التحمل.
يرى علم النفس المهني أن الحدود المهنية تمثل أحد أهم عوامل الوقاية النفسية داخل بيئة العمل. فهي تحمي الفرد من التداخل غير الصحي بين الدور المهني والحياة الشخصية، وتمنحه القدرة على الاستمرار في الأداء دون أن يفقد توازنه الداخلي. عندما تتضح هذه الحدود، يصبح العمل مساحة إنتاج منظمة، لا ساحة استنزاف مفتوحة.
لكن الواقع المهني يكشف عن ظاهرة متكررة يمكن وصفها (باختيار الحدود) يحدث هذا عندما تبدأ بيئة العمل أو بعض الأفراد في قياس مدى قابلية الموظف للزيادة في المهام، أو التنازل عن وقته، أو تجاوز نطاق مسؤولياته. قد يظهر هذا الاختبار في صورة طلبات إضافية متكررة، أو استدعاء دائم خارج أوقات العمل، أو تحميل الفرد مسؤوليات لا تتناسب مع دوره. وفي كثير من الأحيان لا يكون هذا الاختبار مقصودًا للإيذاء، وإنما نتيجة ثقافة عمل غير منضبطة تخلط بين الالتزام والاستنزاف.
خطورة هذا الاختبار لا تكمن في حدوثه مرة واحدة، وإنما في تحوله إلى نمط متكرر. حين يعتاد الفرد القبول دون وضوح، تبدأ الحدود بالتآكل تدريجيًا، ويصبح الرفض أكثر صعوبة مع الوقت. وهنا يظهر التحول غير المرئي من مرونة صحية إلى استنزاف تدريجي يضعف الأداء ويؤثر على التوازن النفسي.
في المقابل، فإن وجود حدود مهنية واضحة لا يعني الانغلاق أو ضعف المرونة، وإنما يعني وجود وعي يوازن بين متطلبات العمل واحتياجات الإنسان.
 الموظف الذي يدرك حدوده لا يتهرب من المسؤولية، وإنما يديرها بذكاء. يعرف متى يضاعف جهده في أوقات الحاجة، ومتى يتوقف كي لا يتحول العطاء إلى إنهاك.
من أهم القواعد التي تحكم هذا التوازن:
أولًا، وضوح المعايير الداخلية. عندما يدرك الإنسان حجم طاقته الحقيقية، يصبح أكثر قدرة على تحديد ما يستطيع تقديمه دون ضغط نفسي زائد. هذا الوضوح لا يأتي من الخارج، وإنما ينبع من معرفة الذات وتجاربها.
ثانيًا، الثبات في المواقف. الحدود المهنية تفقد معناها إذا تغيرت وفق المزاج أو ضغط البيئة. الثبات لا يعني الصلابة المطلقة، وإنما يعني وجود خط عام لا يتم تجاوزه إلا في حالات مدروسة ومحدودة.
ثالثًا، إدارة الردود المهنية بوعي. كثير من اختلالات التوازن تبدأ من عدم القدرة على التعبير عن الرفض بطريقة محترمة وواضحة. لذلك تصبح مهارة التواصل جزءًا أساسيًا من حماية الحدود، حيث يمكن قول “لا” دون صدام، وقبول المهام دون استسلام كامل.
رابعًا، الفصل بين الدور المهني والحياة الشخصية. عندما يمتد العمل ليغطي كل تفاصيل الحياة، يبدأ الإنسان بفقدان مساحته الخاصة، ومع الوقت يقترب من حالة إجهاد عميق قد تتطور إلى ما يُعرف بـ الاحتراق الوظيفي، وهو حالة من الإرهاق الجسدي والعاطفي والعقلي تقل فيها القدرة على الاستمرار بنفس الكفاءة.
خامسًا، إدراك أن الصمود أمام الضغط لا يقوم على المواجهة المباشرة دائمًا، وإنما على الذكاء في إدارة المواقف. إعادة ترتيب الأولويات، تأجيل بعض الطلبات، وتوزيع الجهد بشكل متوازن، كلها أدوات تحفظ التوازن دون صدام غير ضروري. كما أن بناء سمعة مهنية قائمة على الجودة والالتزام يجعل الحدود أكثر احترامًا من قبل الآخرين، لأن القيمة المهنية نفسها تصبح عامل حماية طبيعي.
آخر المنعطف: تمثل الحدود المهنية نظامًا داخليًا يحفظ الإنسان من التآكل البطيء داخل بيئة العمل. هي ليست عائقًا أمام الإنجاز، وإنما إطار يضمن استمراره. وحين تُبنى هذه الحدود بوعي وهدوء، يتحول العمل من مساحة ضغط مستمر إلى مساحة إنتاج متوازن، ويستعيد الإنسان قدرته على العطاء دون أن يخسر ذاته في الطريق.