النهار

٢٠ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ ابريل-٢٠٢٦       3740

بقلم - د. علي بن  عالي  السعدوني
ليست المسألة، حين تُثار قضية صلاحيات رئيس الجامعة، نزوعًا إلى تجريد المنصب من مكانته، ولا رغبةً في الانتقاص من دوره القيادي، وإنما هي في حقيقتها مراجعةٌ هادئة لطبيعة هذا الدور حين يتضخم حتى يتجاوز حدوده الوظيفية، فيتحول من موقعٍ يُفترض فيه أن يرسم الاتجاه العام ويقيس جودة المخرجات، إلى مركز ثقلٍ تتجمع فيه تفاصيل المال والتعيين والتكليف، حتى يغدو القرار الجامعي – في كثير من الأحيان – انعكاسًا لإرادةٍ واحدة، لا ثمرةً لمنظومةٍ متوازنة تتوزع فيها المسؤوليات وتتكامل فيها الأدوار، وهو تحوّلٌ لا ينسجم – في جوهره – مع الروح المؤسسية التي أرستها رؤية السعودية 2030، حين جعلت من الحوكمة والشفافية وفصل الصلاحيات شرطًا لازمًا لأي نهوضٍ حقيقي.
إن الجامعة، بوصفها أعلى مؤسسة لإنتاج المعرفة وصياغة الكفايات، لا تستقيم على منطق التركيز المطلق للصلاحيات؛ لأن هذا المنطق، وإن بدا في ظاهره حسمًا وسرعةً في الإنجاز، يحمل في باطنه قابليةً عالية لاختلال المعايير، إذ لا يمكن لمن يُخطط أن يكون هو نفسه من يُنفق، وهو نفسه من يُعيّن، وهو نفسه من يُقيّم، دون أن ينشأ في هذا التداخل نوعٌ من التعارض الصامت الذي لا يظهر دفعةً واحدة، بل يتسلل تدريجيًا حتى تتشوه الصورة الكلية، ويصبح الخلل مألوفًا لا يُستغرب، والتجاوز قابلًا للتبرير لا للمساءلة، وهو بعينه ما جاءت الرؤية لتجاوزه حين دفعت بالمؤسسات إلى بناء أنظمةٍ تفصل بين صانع القرار ومنفذه ومراجعه، حتى لا تُترك الكفاءة رهينة المزاج، ولا تُدار الموارد خارج ميزان المساءلة.
ولعل ما تشهده بعض الجامعات، من غيابٍ واضح للرؤية التخطيطية، وتدنٍ ملحوظ في نواتج التعلم، ليس أمرًا طارئًا يمكن عزوه إلى ظرفٍ عابر، بل هو – في عمقه – نتيجة بنيوية لطبيعة توزيع الصلاحيات، إذ حين تتسع يد القرار دون أن يقابلها نظام ضبطٍ محكم، تبدأ الممارسات الفردية في التشكل خارج الإطار العلمي، فنجد تداخلًا في الأدوار لا يستقيم مع أبسط قواعد التخصص، حيث يجتمع في شخصٍ واحدٍ رئاسة قسمٍ علمي دقيق مع منصبٍ إداري إعلامي لا يمت إليه بصلة، وكأن الجامعة قد تخلت – في هذه اللحظة – عن أحد أهم شروطها: أن يكون لكل علمٍ أهله، ولكل موقعٍ من يُحسن حمله، في مشهدٍ يتعارض مع ما تؤكد عليه الرؤية من تمكينٍ مبني على الكفاءة، لا على تعدد الأدوار وتراكم التكليفات.
ولا يقف الأمر عند حدود التداخل، بل يتجاوزه إلى تكليفاتٍ تُربك المشهد الأكاديمي برمّته، حين يُعهد بقيادة أقسامٍ علمية حساسة إلى مُعارين من خارج الحقل الأكاديمي، أو إلى من لا يحملون التأهيل الذي ينسجم مع طبيعة هذه المواقع، في صورةٍ تكشف أن القرار لم يعد محكومًا بمعيار الكفاءة، بل بمرونة الصلاحية، وهي مرونةٌ إذا لم تُقيد بنظامٍ صارم تحولت إلى بوابةٍ مفتوحة لكل اجتهادٍ غير منضبط، حتى بات من الممكن أن يتصدر المشهد الأكاديمي من لم تُصقل تجربته العلمية بما يكفي لحمل هذا العبء، بينما الرؤية – في مسارها التعليمي – لا ترى في الإنسان مجرد شاغلٍ لوظيفة، بل عنصرًا منتجًا للمعرفة، لا يُدفع إلى موقعه إلا بعد أن يُختبر بمعيارٍ واضح ومعلن.
وحين تتكرر هذه الصور، لا يعود من المنصف أن نُحيلها إلى أخطاء فردية، بل يصبح لزامًا أن نقرأها بوصفها أعراضًا لخللٍ أعمق في بنية القرار الجامعي، وهو خللٌ يفرض علينا أن نعيد طرح السؤال بصيغةٍ أكثر دقة: هل من الحكمة أن تبقى الصلاحيات المالية والتعيينية مجتمعة في يد رئيس الجامعة، أم أن مقتضى الحوكمة التي دعت إليها رؤية المملكة العربية السعودية 2030 يقتضي إعادة توزيعها على نحوٍ يحفظ التوازن ويمنع التداخل؟
إن إعادة تعريف موقع رئيس الجامعة بوصفه قائدًا استراتيجيًا، ينصرف إلى بناء الخطط بعيدة المدى، وقياس نواتج التعلم، ومعالجة الاختلالات الأكاديمية، مع تجريده من الصلاحيات المالية المباشرة، لا يُفهم بوصفه سحبًا للثقة، بل بوصفه انسجامًا مع فلسفة الرؤية التي نقلت الإدارة من مركزية القرار إلى مؤسسية الأداء، وصيانةً للدور القيادي من أن يُستنزف في متابعة إجراءاتٍ كان الأولى أن تُدار عبر قنواتٍ متخصصة تخضع لرقابةٍ مؤسسية واضحة.
وفي السياق نفسه، فإن إسناد مهمة تعيين أعضاء هيئة التدريس، وكذلك قيادات البحث العلمي، إلى جهة مركزية في وزارة التعليم، تعمل عبر لجان علمية محايدة ومعايير موحدة، من شأنه أن يُعيد الاعتبار لفكرة العدالة الأكاديمية، ويحد من التفاوت بين الجامعات، ويمنع تكرار التجاوزات التي تنتج عن تفاوت التقدير أو ضيق الأفق المحلي، وهو توجهٌ يتسق مع أحد أهم مرتكزات الرؤية في بناء منظومة تعليمية عادلة وفاعلة، تجعل الجودة معيارًا جامعًا لا يخضع لتقلبات المكان ولا لاجتهادات الأفراد.
وبهذا الفصل المتوازن بين الصلاحيات، تستعيد الجامعة صورتها التي ينبغي أن تكون عليها: رئيسٌ يقود ولا يُدير التفاصيل، ونظامٌ مالي يخضع لرقابة مستقلة، وجهة تعيينٍ مركزية تُحكم معايير الاختيار، فتتوزع السلطة على نحوٍ يمنع تضخمها في يدٍ واحدة، ويحول دون تلاشيها في فوضى الاجتهادات، ويجعل المعيار العلمي هو الحاكم الأول والأخير، في بيئةٍ تعليميةٍ تتناغم مع طموحات رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي لا تقبل بأنصاف الحلول، بل تسعى إلى بناء مؤسساتٍ تعمل بالنظام، وتُقاس بالأثر.
إن القضية، في جوهرها، ليست مطالبة بإقصاء دور، بل دعوة إلى إعادته إلى مكانه الطبيعي، بحيث تُقاس الجامعة بما تُنتجه من معرفة، لا بما تمنحه من مناصب، وبما تُحققه من جودة في مخرجاتها، لا بما يتسع في داخلها من صلاحيات؛ لأن العلم – كما أثبتت تجارب التحول الكبرى – لا يزدهر في بيئةٍ تُدار بالجمع، بل في منظومةٍ تُبنى على الفصل، حيث لكل وظيفة حدّها، ولكل قرارٍ ميزانه، ولكل موقعٍ أهله.