النهار

١٩ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ ابريل-٢٠٢٦       3465

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

حين يشتدّ صخب العالم بدعوات التذويب والدمج، وتُرفع شعارات “الوحدة” بلا تحريرٍ لمعناها ؛ يصبح استدعاء الأصول ضرورةً لا ترفًا؛ لا بوصفها ردّة فعل، بل ميزانًا يُهتدى به. 

فالقضية ليست خلافًا عابرًا، بل سؤالٌ عن جوهر الدين: ما الحقّ الواجب الاتباع؟ وما حدود العلاقة مع المختلف؟

يقرّر الإسلام – في بناءٍ عقديٍّ محكم – أنه خاتم الرسالات، وأن شريعته هي المرجع الأخير في الشريعة والاتباع، مع الإيمان بجميع الرسل والكتب في أصولها. 
يقول تعالى:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾،
ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
فالحصرية هنا حصريةُ التزامٍ واتباع، لا نفيٌ لأصل الرسالات، بل تثبيتٌ لها في سياقها الصحيح: مراحل من الهداية خُتمت برسالةٍ جامعة.

ومن تمام هذا المعنى قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾؛ فختم النبوة يقتضي اكتمال الشريعة، وانتهاء التعدد في طرق التعبّد إلى طريقٍ واحد. 

وفي الحديث الصحيح: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمن بي، إلا كان من أصحاب النار»؛ دلالةً على قيام الحجة بعد البعثة، ولزوم الاتباع لمن بلغته الدعوة.

غير أن هذا الصفاء العقدي لا يعني – بحال – إلغاء الآخر من حيث وجوده، ولا يبرر ظلمًا أو عدوانًا ، بل يقرّر القرآن ميزان العدل في التعامل:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ… أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.
هنا يتجلّى التوازن: وضوحٌ في الاعتقاد، وعدلٌ في المعاملة.

ومن هذا المنطلق ؛ فإن الدعوة إلى “وحدة الأديان” إذا فُهمت على أنها صهرٌ عقديّ يساوي بين الحق والباطل، أو يجيز التعبّد بأي دينٍ على قدم المساواة، فإنها تصطدم بهذه الأصول؛ لأنها تُفرغ مفهوم الخاتمية من مضمونه، وتحوّل الدين من “وحيٍ مُلزِم” إلى “خيارٍ ثقافيٍّ مفتوح”. 

أما إنْ كان المقصود تنظيم التعايش وبناء جسور التعارف ومنع الصراع ؛ فذلك بابٌ آخر له مصطلحاته وضوابطه، ولا يُعبَّر عنه بعباراتٍ موهمة تُفضي إلى خلطٍ خطير.

وفي خضمّ هذا الزخم ؛ تبرز تسمياتٌ لافتةٌ تتكئ على إرثٍ نبويٍّ عظيم، فتستدعي اسم إبراهيم عليه السلام بوصفه جامعًا رمزيًا. 
غير أن هذا الاستدعاء – حين يُطلق بلا تحرير – ينقل المعنى من “الاشتراك في أصل التوحيد” إلى “التسوية في صحة الاتباع”، وهي نقلةٌ دقيقةٌ في ظاهرها، عميقةُ الأثر في حقيقتها. 
فالقرآن، وهو يقرر براءة إبراهيم من الانتماءات اللاحقة ؛ إنما يعيده إلى صفاء الحنيفية: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾، ليبقى الاسم ميزانًا يُهتدى به، لا مظلةً تُسوّى تحتها الفوارق.

وقد لخّص العلماء هذا المعنى بعباراتٍ جامعة؛ يقول ابن تيمية: “دين الأنبياء واحد، وشرائعهم متعددة”؛ أي إن أصل التوحيد ثابت، وتفاصيل الشرائع تتنوع حتى خُتمت بالشريعة الجامعة. 

ويقرّر الشافعي اكتمال الشريعة بقوله: “فلم يجعل الله لأحدٍ بعد رسول الله قولًا إلا باتباعه”، في إشارةٍ إلى تمام البيان وانغلاق باب الاستدراك.

وفي زمنٍ تميل فيه الخطابات الكونية إلى تسطيح الفوارق ؛ تبرز الحاجة إلى وعيٍ يوازن بين أمرين:
أن يبقى الاعتقاد صافيًا غير قابلٍ للمساومة، وأن يبقى التعامل إنسانيًا عادلًا غير متوحش. 

فليست المشكلة في وجود الاختلاف، بل في طريقة إدارته: هل نلغيه فنفقد المعنى؟ أم نُثبته فنحسن التعامل معه؟

إن الإسلام، وهو يقرّر اكتمال شريعته وخاتميتها في الاتباع ؛ لا يدعو إلى قطيعةٍ مع العالم، بل إلى الشهادة عليه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. 
والشهادة هنا ليست صراعًا دائمًا، بل حضورٌ قيميٌّ يُعرِّف بالحق دون أن يذوب فيه.

وهنا تتكثف الخلاصة:
ليس الإسلام فكرةً قابلةً للدمج، ولا خيارًا بين خيارات، بل هو خاتمةٌ تُهيمن لا تُساوَم، وتُبيّن لا تذوب.
فمن طلب الحقّ مُجزّأً ضيّعه، ومن التمسه في غير خاتمته لم يدركه.
وبين انفتاحٍ بلا حدود يبدّد الهوية، وانغلاقٍ بلا وعي يعزلها ؛ يقف الإسلام ثابتًا:
واضحُ الأصول، عادلُ الحضور، شاهدٌ لا تابع.