النهار

١٨ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ ابريل-٢٠٢٦       3300

بقلم: مصطفى عبدالله تميرك

في ظل الزخم المعرفي والانفتاح الرقمي الذي تشهده منصات التواصل الاجتماعي، برزت العديد من الطروحات التاريخية التي تتناول ماضي المنطقة، غير أن بعضها جاء محمّلاً بتفسيرات مختلفة أو قراءات غير دقيقة للسياق الحقيقي للأحداث. ومن بين هذه القضايا، ما يُثار حول “التكية المصرية” في مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث يتم تصويرها أحياناً على نحوٍ يختزل واقعاً تاريخياً معقداً في سردية أحادية لا تعكس الحقيقة كاملة. ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى المصادر الموثوقة وشهادات المؤرخين، لفهم الدور الحقيقي لهذه التكية ضمن إطارها الخيري والإنساني، بعيداً عن التوظيفات التي قد تُخرجها عن سياقها التاريخي الصحيح.

​إلا أن العودة إلى "أمهات الكتب" وشهادات المؤرخين المعاصرين تكشف زيف هذه الادعاءات، وتضع التكية في إطارها الحقيقي كـ "وقف خيري" مخصص لفئات محددة. وما زال هذا المفهوم موجوداً في الحرمين الشريفين بطرق أخرى تحفظ ماء وجه المحتاج، حيث يجلس الجميع على مائدة واحدة في رحاب الحرمين (ويمكن سؤال الإخوة المصريين المقيمين حالياً عن هذا التكافل).
​السياق التاريخي والإداري
​كانت التكية في العهد العثماني تتبع إدارة مصر بحكم تبعية الحجاز الإدارية لمصر في تلك الفترة، لذا لم تكن فضلاً من أحد على أهل الحجاز. فأهل مكة المكرمة كانوا منبع التجارة تاريخياً، والدليل من القرآن العظيم في سورة قريش، وفي دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ وهذا هو فصل الخطاب، ولكن نوضح الأمر من الزاوية التاريخية لتوثيق الحقيقة.
​المستهدفون من التكية: "مبرة للغريب لا لأهل الدار"
​تؤكد المصادر التاريخية، وعلى رأسها كتاب "مرآة الحرمين" للواء إبراهيم رفعت باشا (قومندان حرس المحمل المصري)، أن التكية كانت مؤسسة خيرية موجهة لخدمة:
​فقراء الحجاج.
​عابري السبيل.
​ويشير رفعت باشا بوضوح إلى أن أغلب المترددين عليها هم من  الحجاج  الذين انقطعت بهم السبل، وخص بالذكر جنسيات معينة مثل "السودانيين والمغاربة" الذين كانوا يتزايدون في مواسم الحج ورمضان المبارك. أما أهل مكة والمدينة، فقد كانت نفوسهم الأبية تأنف من الأكل من الصدقات العامة، وهم الذين عرفوا عبر التاريخ بالتجارة وخدمة الحجيج والاكتفاء المادي.
​المجاورون والمتخلفون
​في كتاب "الرحلة الحجازية" (1909م)، يصف محمد لبيب البتنوني التكية بأنها مبرة تخدم فئتين:
​●المجاورون: وهم الذين استوطنوا الحرمين من الخارج لغرض العبادة وليس لديهم مورد رزق.
​●المتخلفون: وهو الوصف الشعبي الدقيق الذي أطلقه المعاصرون على  الحجاج  الذين بقوا في الديار المقدسة بعد انتهاء الموسم دون عمل أو مال، فكانت التكية ملاذهم لسد الرمق.
​الواقع الاقتصادي لأهل الحجاز
​يوضح المؤرخ المكي محمد عمر رفيع في كتابه "مكة في القرن الرابع عشر الهجري"، أن المجتمع الحجازي كان مجتمعاً حيوياً ومنتجاً؛ فأهل مكة كانوا يملكون العقارات والدور، ونشطوا في مهن "الطوافة" والتجارة الدولية والمحلية. لذا، فالتكية كانت مخصصة لفئة محدودة جداً من غير أهل البلاد.
​وجبة "الدشيشة"
​أما عن وجبة التكية الشهيرة، فقد كانت "الدشيشة" (حساء القمح)؛ وهي وجبة تقشفية بسيطة تهدف فقط إلى "سد الرمق" للفقراء المنقطعين. ولم تكن يوماً مائدة يعتمد عليها مجتمع مستقر وغني بموارده وتجارته كالمجتمع الحجازي.
​خاتمة:
إن محاولة تصوير التكية المصرية كفضل مادي على عموم السعوديين هي قراءة عاطفية تجانب الصواب التاريخي. لقد كانت التكية وتظل في ذاكرة التاريخ تجسيداً لروح التكافل الإسلامي الموجه للمحتاجين، بينما كان السعوديون هم السدنة والحماة  الذين أداروا شؤون الحرمين بعزة واكتفاء وبذل لا مقطوع او منتهي.