الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ ابريل-٢٠٢٦       2970

بقلم:  ريماس الصينية  – صحفية في CGTN العربية

سجل الناتج المحلي الإجمالي للصين نموا بنسبة 5.0 بالمئة على أساس سنوي في الربع الأول، في أول ورقة أداء اقتصادي تقدمها البلاد لعام 2026.
بالنسبة للقارئ العربي، قد تبدو هذه الأرقام بعيدة أو مجرد مؤشر اقتصادي آخر.

لكن عند النظر إليها من زاوية مختلفة، فإننا أمام اقتصاد يشكل ما يقرب من ثلث التصنيع العالمي، ويواصل تحقيق نمو مستقر في ظل بيئة خارجية تتسم بالتقلب وعدم اليقين.

وهذه الحقيقة وحدها تستحق التوقف عندها. فمسار الاقتصاد الصيني لا يقتصر تأثيره على الداخل، بل يمتد ليشمل التجارة العالمية، وأسواق الطاقة، والاقتصادات في عدد من الدول.
فيما يلي قراءة لهذه النتائج من عدة زوايا.

أولا: الطلب المحلي كمحرك رئيسي
أحد أبرز ملامح النمو في الربع الأول هو أن قوته جاءت من الداخل.

فقد تجاوزت مساهمة الطلب المحلي في النمو 80 بالمئة، ما يعني أن الاقتصاد الصيني يعتمد بشكل متزايد على استهلاك واستثمار 1.4 مليار نسمة.
في جانب الاستهلاك، برز أداء الخدمات بشكل أوضح مقارنة بالسلع. فقد سجلت قطاعات مثل السياحة، والثقافة والترفيه، وخدمات الاتصالات نموا ملحوظا.

وهذا يعكس تحولا تدريجيا في نمط الاستهلاك، حيث ينتقل الأفراد من شراء السلع إلى شراء التجارب.

فالسفر، وحضور الفعاليات، واستخدام الخدمات الرقمية، باتت تشكل ملامح جديدة لسلوك الإنفاق.
أما الاستثمار، فقد بدأ بدوره في استعادة زخمه.

إذ حافظت استثمارات البنية التحتية على نمو جيد، مع استمرار تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى.

وفي المقابل، سجل الاستثمار في الصناعات العالية التقنية نموا يفوق المتوسط العام، لا سيما في مجالات خدمات المعلومات وتصنيع الحواسيب والمعدات المكتبية.

ثانيا: صعود محركات نمو جديدة
سجل قطاع التصنيع العالي التقنية نموا يفوق متوسط القطاع الصناعي، فيما ساهمت صناعة المعدات بنحو نصف النمو الصناعي.
وعلى مستوى المنتجات، حققت معدات الطباعة الثلاثية الأبعاد، والبطاريات الليثيوم، والروبوتات الصناعية، والدوائر المتكاملة معدلات نمو مرتفعة.

وتعكس هذه المؤشرات انتقال الصناعة الصينية تدريجيا من نموذج يعتمد على المعالجة المنخفضة القيمة إلى نموذج قائم على التكنولوجيا المتقدمة والقيمة المضافة.
كما بدأت آثار الذكاء الاصطناعي في الظهور بشكل متزايد.

فمن خطوط الإنتاج إلى تفاصيل الحياة اليومية، تتسارع وتيرة تطبيق هذه التقنيات، بما يخلق مصادر جديدة للنمو الاقتصادي.

ثالثا: تحسن هيكل التجارة الخارجية
سجلت التجارة الخارجية في الربع الأول مستوى قياسيا لنفس الفترة، مع نمو ملحوظ في التجارة مع الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق.

كما واصلت صادرات المنتجات الكهروميكانيكية نموها، وكان أداء المنتجات الخضراء، مثل السيارات الكهربائية والبطاريات الليثيوم، لافتا بشكل خاص.
ويشير ذلك إلى اتجاه واضح نحو ترقية هيكل الصادرات الصينية باتجاه مزيد من التقدم والاستدامة.

وبالطبع، لا تزال البيئة الخارجية تحمل قدرا من عدم اليقين، في ظل تقلبات سلاسل الإمداد العالمية وغيرها من العوامل.

غير أن بيانات الربع الأول تعكس بوضوح استمرار تمتع الصناعة الصينية بقدرة تنافسية ومرونة ملحوظة.

رابعا: استقرار المؤشرات المعيشية
إلى جانب المؤشرات الكلية، تظهر بيانات الربع الأول استقرارا في الجوانب المرتبطة بحياة الأفراد.

فقد حافظت سوق العمل على استقراره، مع بقاء معدل البطالة في المدن عند مستوى مماثل للفترة نفسها من العام الماضي.
كما سجلت دخول السكان نموا حقيقيا يفوق معدل النمو الاقتصادي، مع استمرار تفوق نمو دخل سكان الريف مقارنة بسكان المدن.

وفي الوقت ذاته، ظلت مستويات الأسعار ضمن نطاق معتدل.
وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة، تحسنا تدريجيا في مستوى المعيشة. فاستقرار التوظيف، ونمو الدخل، واستقرار الأسعار، تمثل مؤشرات مباشرة عن “درجة حرارة” الاقتصاد.

خامسا: تحديات قائمة وآفاق غير مؤكدة
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يمكن إغفال التحديات القائمة. فتعافي الاستهلاك لا يزال يسير بوتيرة معتدلة، كما أن استعادة ثقة المستهلك وقدرته على الإنفاق بشكل كامل تحتاج إلى وقت.
أما على الصعيد الخارجي، فلا تزال الضغوط حاضرة، في ظل تقلبات سلاسل الإمداد العالمية وتراجع توقعات النمو الاقتصادي العالمي، وهي عوامل يصعب على أي اقتصاد تجنب تأثيراتها بشكل كامل.

ما بين الأرقام والدلالات

في المحصلة، ينقل معدل النمو البالغ 5.0 بالمئة في الربع الأول رسالة واضحة: في عالم اقتصادي يتسم بالتقلب، يواصل هذا الاقتصاد، الذي يشكل ما يقرب من ثلث التصنيع العالمي، السير وفق إيقاعه الخاص.
وبالنسبة للدول العربية، فإن أهمية الاقتصاد الصيني لا تكمن فقط في قوة أدائه، بل في درجة استقراره. فالصين المستقرة تعني طلبا مستقرا على الطاقة، ومسارات تجارة مستقرة، ومصادر استثمار مستقرة.

وفي زمن تتزايد فيه حالة عدم اليقين، يصبح هذا الاستقرار بحد ذاته قيمة حقيقية.