النهار

١٧ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ ابريل-٢٠٢٦       2585

بقلم: تركي عبدالرحمن البلادي 
 

في زحام الحياة اليومية، لا يكون التعب دائمًا مرئيًا، ولا تُقاس معاناة الإنسان بما يظهر على ملامحه هناك نوع آخر من الإرهاق، أكثر عمقًا وأشد أثرًا، لكنه يمر دون أن يلاحظه أحد إنه الإرهاق الصامت ذلك الشعور الذي يتسلل بهدوء إلى الداخل، دون ضجيج، دون شكوى، ودون أن يترك علامات واضحة للآخرين.

الإرهاق الصامت لا يأتي من عملٍ شاق فقط، بل يتكوّن من تراكمات صغيرة، مواقف عابرة، ضغوط مستمرة، وكلمات لم تُقل هو نتيجة محاولات متكررة للتماسك، وقرارات متواصلة بتجاوز الألم، واختيار الصمت بدل المواجهة قد يبدو الإنسان طبيعيًا في ظاهره، يؤدي واجباته، يبتسم أحيانًا، ويتفاعل مع من حوله، لكن داخله يحمل ثقلًا لا يُرى.

في بيئة العمل، قد يظهر هذا الإرهاق لدى من يقدّمون أكثر مما يُطلب منهم، دون تقدير كافٍ، أو لدى من يتحمّلون مسؤوليات تتجاوز طاقتهم بصمت. وفي الأسرة، قد يكون نصيب من يضعون راحة الآخرين قبل أنفسهم، فيتجاهلون احتياجاتهم حتى تتراكم الضغوط أما في العلاقات، فهو حاضر لدى من يختارون السكوت حفاظًا على الود، فيدفعون ثمن ذلك من استقرارهم النفسي.

خطورة الإرهاق الصامت أنه لا يُعبّر عن نفسه بسهولة لا صراخ، لا شكوى، ولا حتى إشارات واضحة بل يتجلّى في فقدان الشغف، في برود المشاعر، في الرغبة بالعزلة، أو في أداء المهام بشكل آلي خالٍ من الحضور الحقيقي ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الإرهاق إلى حالة من الاستنزاف الداخلي، يصعب معها الاستمرار بنفس الطاقة أو الحماس.

ليس كل من يضحك مرتاحًا، وليس كل صامت بخير هذه الحقيقة التي يغفل عنها الكثير، تجعل من الضروري إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين فكم من شخص يحتاج إلى كلمة تقدير، أو لحظة إنصات، أو حتى مساحة بسيطة ليعبّر عمّا داخله دون خوف من الحكم أو التقليل.

التعامل مع الإرهاق الصامت يبدأ بالاعتراف به أن يدرك الإنسان أن ما يشعر به حقيقي، وأن الصمت لا يعني دائمًا القوة من المهم أن يمنح نفسه حق التعبير، وأن يبحث عن طرق صحية للتخفيف، سواء بالحديث مع شخص موثوق، أو بممارسة نشاط يخفف الضغط، أو حتى بأخذ استراحة حقيقية من متطلبات الحياة اليومية.

كما أن للمجتمع دورًا لا يقل أهمية نشر ثقافة الوعي النفسي، وتشجيع الحوار، وتقليل الأحكام السريعة على الآخرين، كلها خطوات تساهم في تقليل هذا النوع من الإرهاق فالدعم لا يحتاج إلى جهد كبير، بل إلى حضور صادق وشعور بالمسؤولية تجاه من حولنا.

في النهاية، الإرهاق الصامت ليس ضعفًا، بل إشارة تحتاج إلى فهم. وهو تذكير بأن الإنسان، مهما بدا قويًا، يبقى بحاجة إلى من يراه بصدق، لا بما يظهر فقط فربما يكون أعظم ما نقدمه للآخرين أن ننتبه لهم قبل أن ينهكهم الصمت.