النهار

٢٨ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ مارس-٢٠٢٦       5720

بقلم ـ عبدالله الكناني
تتسارع أدوات التأثير الخفي في الرأي العام بوتيرة غير مسبوقة، حتى تغدو المنصات الرقمية ساحةً مفتوحة تُدار فيها معارك غير مرئية؛ لا تُرى فيها الجيوش، لكن آثارها تتسلل إلى العقول، وتُعيد تشكيل القناعات، وتوجيه السلوك الجمعي.

وفي خضم هذا المشهد، يتكشف واقعٌ مقلق يتمثل في بروز أصواتٍ من محيطنا الإقليمي ترفع شعارات العروبة والإسلام لسانًا، بينما تُفرغها من مضمونها القيمي والسلوكي واقعًا وممارسة. 
ولم يعد هذا التناقض عابرًا، بل أصبح جزءًا من خطابٍ ممنهج يُراد له أن يُربك الوعي ويخلط بين الثوابت والمتغيرات.

تعتمد هذه الفوضى الفكرية على صناعة خطابٍ شعبوي يُخاطب العاطفة قبل العقل، ويُغذّي الانقسام بدل ترسيخ الوعي، ويُلبس الباطل ثوب الحق عبر مفرداتٍ منمّقة ومصطلحاتٍ مُضلِّلة. 
ولم يعد خافيًا أن هذا النهج استُخدم طويلًا كأداةٍ بيد بعض الأنظمة القومية والثورية والتيارات لتمرير أجنداتها، عبر ما يمكن تسميته بـ”الغسل الفكري” الذي يستهدف البسطاء والسذج، ويستثمر في عواطفهم، ويُعيد تشكيل قناعاتهم تدريجيًا.

وفي هذا السياق، تتجلى الأساليب المستخدمة في نشر هذه الأفكار ضمن نسقٍ متدرّج ومترابط؛ من خلال المنصات الرقمية ،حيث يبدأ الطرح بتقديم القضايا الحساسة في قوالب ناعمة ومقبولة تُمهّد لتطبيعها تدريجيًا، مع إخفاء الأهداف الحقيقية خلف شعارات عامة كالوحدة أو نصرة القضايا، بينما تُوظَّف في الواقع لتحقيق مكاسب سياسية أو طائفية. 
ويتعزز هذا النهج عبر توظيف خطابٍ يُظهر خلاف ما يُبطن، بما يتيح التغلغل داخل المجتمعات والتأثير عليها من الداخل، بالتوازي مع إثارة الشبهات والتشكيك من خلال استهداف الرموز الوطنية أو التقليل من الإنجازات أو افتعال معارك جانبية تُشتّت الرأي العام. 
وفي المحصلة، تسعى بخبث إلى تشكيل المفاهيم وإعادة تعريفها، بحيث تتبدل معاني الولاء والانتماء والدين بما يخدم توجهات بعينها.

وقد استُخدمت هذه الأدوات في أكثر من موضع لبث أفكارٍ طائفية، والتأثير بولاءاتٍ عابرة للأوطان، بل وأحيانًا لتقديم مشاريع سياسية في صورةٍ دينية، وهو سعي منها إلى إبعاد الأفراد عن جوهر الدين الصحيح، وربطهم بأشخاصٍ أو كيانات بدلًا من ربطهم بالمبادئ والقيم.

إن أخطر ما في هذه الحرب الفكرية أنها لا تستهدف العقول مباشرة فحسب، بل تعمل على تفكيك منظومة القيم، وتشويه الثوابت، والتأثير على صياغة الوعي الجمعي. 
هنا يتحول الفرد من متلقٍ ناقد إلى مُستهلِكٍ سلبي يُكرّر ما يُملى عليه دون تمحيص، في مشهدٍ يُشبه “غثاء السيل”؛ كثرةٌ بلا أثر، وضجيجٌ بلا وعي.

وأمام هذا الواقع، تتعاظم مسؤولية الإعلام بجميع وسائله ومنصاته؛ إذ لم يعد مجرد ناقلٍ للخبر، بل أصبح شريكًا في تشكيل الوعي وحارسًا له. 
فالإعلام المهني المؤهل وكلياته وأقسامه بالجامعات ومراكز البحوث ،مطالبٌ اليوم برصد هذه التحولات، وتحليل خطابها، وكشف تناقضاتها، وتقديم محتوى يعيد التوازن للعقل الجمعي، ويُعزّز مناعة المجتمع الفكرية.

كما يبرز دور النخب الفكرية والثقافية والإعلامية في تفكيك الخطاب المضلل، وتوضيح الحقائق، وتصحيح المفاهيم، وبناء خطابٍ بديل يُخاطب العقل ويُحصّن المجتمع من الاختراقات الناعمة.

أما المعالجة الحقيقية، فتكمن في بناء وعيٍ نقدي راسخ لدى الأفراد؛ يبدأ من التعليم القائم على التفكير والتحليل، ويمر عبر إعلامٍ مسؤول، ويترسخ في الأسرة والمجتمع، وعيٌ يُمكّن الإنسان من التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الدين الصحيح وتوظيفه السياسي، وبين الانتماء الصادق والانقياد الأعمى.

إنها معركة وعي بالدرجة الأولى، ومن ينتصر فيها لا يملك زمام الحاضر فحسب، بل يرسم ملامح المستقبل، ويصون هوية الأمة من التآكل والانحراف.