النهار

١٣ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ مارس-٢٠٢٦       9900

بقلم - د. علي بن  عالي  السعدوني

في الحروب الحديثة لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد القواعد التي دُمّرت، بل باللغة التي تُصاغ بها النهاية، فالتاريخ يخبرنا أن أخطر لحظة في أي صراع ليست لحظة الانفجار، بل لحظة إعلان (النصر)، هناك، تحديدًا، تبدأ السياسة في إعادة كتابة الواقع.

السيناريو الذي يتداوله بعض المحللين اليوم حول احتمال التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يكشف مفارقة قديمة في التاريخ السياسي: قد تنتصر الجيوش ميدانيًا، لكن الأنظمة السياسية التي كان يُراد إسقاطها تخرج أكثر صلابة.

في هذا التصور، يبدأ المشهد من الاقتصاد قبل السياسة،فحين يتجاوز النفط حاجز المئة دولار للبرميل، لا تبقى الحرب في نشرات الأخبار، بل تنتقل مباشرة إلى جيوب الناس. المواطن الأمريكي، كما تثبت التجارب السابقة، لا يقيس الحرب بالخرائط العسكرية بل بسعر الوقود في محطات البنزين. وعندما ترتفع الأسعار، يتحول السؤال من: هل انتصرنا؟ إلى سؤال أبسط وأكثر قسوة: لماذا ندفع ثمن هذه الحرب؟

هنا يبدأ التحول السياسي، تتراجع الشعبية، ويتحول الخطاب من لغة الحسم العسكري إلى لغة الإنجاز الرمزي، يظهر إعلان النصر قبل أن تنتهي الحرب فعليًا، وهو تقليد سياسي عرفته الولايات المتحدة منذ خطاب (المهمة أنجزت) الذي أُلقي على متن حاملة الطائرات في حرب العراق عام 2003، يومها بدا المشهد وكأنه نهاية الحرب، لكنه في الحقيقة كان بداية فصل أكثر تعقيدًا.

في مثل هذه السيناريوهات لا يُقال إن القوات انسحبت، بل (أُعيد انتشارها)،لا يُستخدم لفظ التراجع، بل تُستبدل الكلمات بعبارات أكثر نعومة،اللغة هنا ليست مجرد وصف، بل أداة سياسية لإدارة الانطباع العام.

لكن المفارقة الكبرى لا تظهر في الخطاب، بل في النتيجة السياسية داخل الدولة المستهدفة، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الضغط العسكري الخارجي كثيرًا ما يقوّي التيارات الأكثر تشددًا داخل الأنظمة، حين تشعر المجتمعات بأن بلدها تحت الهجوم، تميل إلى الالتفاف حول القيادة الأكثر صرامة، لا حول الأصوات المعتدلة.

وهكذا قد يحدث ما يشبه المفارقة التاريخية: الحرب التي رُفعت شعاراتها تحت عنوان (تغيير النظام) قد تنتهي إلى إعادة إنتاج النظام نفسه بصورة أكثر تشددًا، تختفي التيارات الإصلاحية، ويظهر جيل جديد من القيادات أكثر راديكالية، يحمل شرعية الصمود في وجه الخارج.

وفي الخلفية يستمر العامل الأكثر تأثيرًا: الاقتصاد العالمي، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، أي اضطراب فيه لا يرفع أسعار النفط فقط، بل يرسل موجات صدمة إلى الأسواق العالمية. البورصات، الصناعات، وسلاسل الإمداد كلها تتأثر بسرعة تفوق سرعة الصواريخ.

لهذا فإن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية، بل بميزان التكلفة الاقتصادية. بضعة أيام من التصعيد قد تمحو تريليونات من قيمة الأسواق العالمية، وتدفع الاقتصاد الدولي إلى حافة الركود.

وهنا تظهر الحقيقة التي كثيرًا ما تغيب خلف خطابات النصر:

قد تُدمَّر القواعد العسكرية، لكن البنية السياسية تبقى.

قد تُحطَّم الأسلحة، لكن الأفكار لا تُقصف بالصواريخ.

وقد تنتهي المعركة العسكرية سريعًا، بينما تستمر آثارها الاقتصادية والسياسية لسنوات.

لهذا فإن أخطر ما في الحروب ليس بدايتها، بل الرواية التي تُكتب عنها في نهايتها. فالتاريخ يعلمنا أن الخطاب الذي يعلن النصر قد يخفي في داخله أسئلة أكبر: ماذا تغير فعلاً؟ ومن الذي خرج أقوى في النهاية؟

تلك هي المفارقة التي تتكرر كثيرًا في التاريخ:في اللحظة التي يُعلن فيها النصر قد تكون الهزيمة قد بدأت بالفعل.