النهار

٠٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ يناير-٢٠٢٦       3630

بقلم - جمعان الكرت

تربطني بمدينة  الطائف المأنوس  علاقة حميمة ضاربة في الوجدان، منذ أول رحلة وطئت فيها أرضها، وكنت حينذاك طالبًا في المرحلة الابتدائية.

كان ذلك الانتقال من القرية الريفية في رغدان إلى مدينة تتّسع للحلم وتفيض بالحياة.

وكانت تلك النقلة المكانية أشبه بدهشة أولى؛ مفارقة بين بساطة القرية ورحابة المدينة، زرعت في القلب إعجابًا مبكرًا، ما زال ينمو كلما تجدد اللقاء، ورسّخت في الذاكرة صورة مدينة مختلفة، أنيقة، ومنفتحة على الحياة.
كانت الطائف آنذاك محطة رحال لكثير من أبناء غامد وزهران؛ إمّا للاستقرار، أو بوصفها معبرًا نحو مكة المكرمة وجدة.

وما زالت تفاصيل تلك المرحلة منقوشة في الذاكرة: البلد بحوانيته وساحاته، حركة البيع والشراء، وحدائق النجمة التي كانت تستوقف الجنوبيين بإعجاب خاص، بجمال هندستها، وتناسق أشجارها، وأناقة إنارتها الليلية، حيث يكتمل المشهد بكأس شاي دافئ، ولقاءات لا تُنسى، إلى جانب العروض السينمائية في الأندية الرياضية، التي منحت المكان روحًا مدنية نابضة.

هناك، كانت المدينة تبدو أنيقة بلا تكلّف، منفتحة بلا ادّعاء، تستقبل زائريها بقلب رحب، وتمنحهم شعور الألفة من اللحظة الأولى.
لذلك بدت الطائف مدينة أنيقة، بعيدة عن التزمت، ترحّب بالقادمين، وتفتح صدرها الرحب للزائر والمقيم.

وظلّت العلاقة الوجدانية معها حاضرة في كل رحلة إليها، سواء للاستقرار أو مرورًا في الطريق إلى جدة.

وكان من دواعي البهجة أن أشارك لاحقًا في تقديم ورقة ثقافية ضمن المهرجان الثقافي لسوق عكاظ، ذلك السوق الذي حفظته كتب التاريخ، وكان منبرًا لفحول الشعراء، وفضاءً للمنافسة الأدبية، ليغدو اليوم نافذة ثقافية وتراثية متجددة.
وتظل الطائف إحدى المدن الجميلة في منظومة مدن وطننا الغالي، بل تتفوق بكونها المصيف الرسمي للمملكة، بما حباها الله من اعتدال المناخ، وارتفاع الموقع، وجمال الطبيعة.

ويُرجّح أن اسمها اشتُق من «طَفَى» أي ارتفع وعلا، إذ تتسنّم جبال السروات، وكان لها حضور بارز في التاريخ القرشي حتى لُقِّبت بـ بستان قريش.

كما أن اختيار الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما الإقامة فيها شاهدٌ على مكانتها، وجمالها، وأهميتها العلمية والثقافية.
وفي الطائف، للورد حكاية أخرى؛ عطر يسبق المدينة إلى زائريها، وهوية التصقت باسمها، كما التصق بها الشعر والغناء، ومنها انطلقت مسيرة الفنان الراحل طلال مداح، فغدت الطائف صوتًا وجمالًا.

وقد تغنّى بجمال أجوائها شعراء، واستلهم فنانوها طبيعتها، ونظرًا لأصالتها وعمقها التاريخي والثقافي، حصدت الطائف اعتراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) كمدينةٍ أدبية إبداعية عام 2023م، وهو استحقاق ينسجم مع تاريخها ودورها الثقافي.
وفي هذا السياق، أحسنت هيئة الأدب والنشر والترجمة الاحتفاء بالطائف، عبر تنظيم مهرجان «كتابي والقرّاء»، الذي يُقام في هذه المدينة لمدة سبعة أيام خلال الشهر الجاري، في منتزه الردف، خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير 2026م.

ويأتي اختيار الطائف لاحتضان هذه الفعاليات تأكيدًا لمكانتها الثقافية، وثرائها الحضاري، حيث يشكّل المهرجان منصة إبداعية تجمع بين عمق الفكر ومتعة التجربة، من خلال أنشطة مبتكرة تهدف إلى رفع الوعي الثقافي، وتمكين الحراك الأدبي.
كما يسعى المهرجان إلى إبراز الأدب السعودي، وتعزيز حضوره على الساحة الدولية، باستضافة نخبة من الأدباء والمثقفين من داخل المملكة وخارجها، بما يسهم في تبادل الخبرات وإثراء المشهد الثقافي الوطني.

وقد وُجِّهت الدعوة لعددٍ من الأدباء من مختلف مناطق المملكة، لإضفاء مزيد من التنوع والثراء على الفعاليات.
وهنا أجدني أعود إلى  الطائف المأنوس  من جديد، عبر المشاركة في هذه التظاهرة الثقافية الكبرى، عودة تحمل ذات الشغف القديم، وتؤكد عمق العلاقة مع المكان.

ولذا أقدّم أجمل باقات الشكر والتقدير لـ هيئة الأدب والنشر والترجمة على هذا الجهد الثقافي الرفيع، وعلى مهرجان سيكون – بلا شك – مفعمًا بالأدب، ومشحونًا بالجمال، وواحدًا من العلامات المضيئة في المشهد الثقافي السعودي…