النهار
بقلم - عبدالله الكناني
عودة *اليمن السعيد* إلى مسار الدولة الحديثة ليست مجرد عبارة شاعرية تُستدعى عند اشتداد الأزمات، بل سؤال وجودي يُطرح مع شعب أنهكته الحروب والانقلابات، وتعدد الزعامات، وتصارع المشاريع، حتى غدا الوطن رهينة لطموحات أفراد وجماعات، لا لمصلحة أمة.
فـ *اليمن* الذي يُعد رمزًا للحضارة وموطنًا للتاريخ، وجد نفسه في قلب نكبات متتالية، تتناسل فيها الأزمات من رحم الانقسام، ويُعاد فيها إنتاج الفشل بأدوات أشد قسوة؛ عنوانها السلاح، وشعاراتها الثورة، ونتائجها الخراب.
*الأزمة اليمنية* لم تنشأ فجأة، بل تراكمت عبر عقود من غياب الدولة بمعناها العادل، وتآكل مؤسساتها، وتحول السياسة من تنافس برامج ورؤى إلى صراع نفوذ ومصالح.
ومع كل مرحلة، كانت الانقلابات والتمردات تجد بيئة خصبة في هشاشة المركز وتناقض الأطراف، حتى وصل الحال إلى سيطرة مشروع ميليشيا الحوثي الانقلابية، التي لا تؤمن بالدولة ولا بالتعدد، بل تسعى إلى فرض هيمنة مطلقة، مستندةً إلى دعم خارجي، ومغذّيةً الفوضى باسم الحق الإلهي أو الثورية الزائفة.
*وفي المقابل*، لم يسلم المعسكر المناهض لهذا المشروع من التشظي، إذ أضعفت الخلافات الداخلية والانزلاقات غير المحسوبة قدرته على تقديم نموذج بديل مستقر وقابل للحياة.
*أما الجنوب* فقد ظلت قضيته العادلة أسيرة تعدد القيادات، وتباين الرؤى، وتضارب المصالح، لا ضعف الحق ولا هشاشة المطالب.
فالتحدي الجنوبي الحقيقي لا يكمن في مشروعية القضية، بل في القدرة على توحيد الصوت، وتحويلها من حالة احتجاج دائم إلى مشروع سياسي متكامل، قابل للتفاوض والبناء ضمن رؤية واضحة.
إن استمرار الانقسام الجنوبي يمنح الأخر فرصة لاستثمار هذا التشتت، ويؤجل أي حل وطني شامل، لأن الجنوب الموحّد يمثل عنصر توازن لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
في هذا السياق، يأتي *مؤتمر الرياض* برغبة من الشرعية وترحيب واستضافة من المملكة العربية السعودية، بوصفه محطة مفصلية لا حدثًا عابرًا.
فـ *المؤتمر* إما أن يكون فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد اليمني، وجمع الشتات، وضبط الخلافات ضمن إطار سياسي منظم، أو يتحول إلى مناسبة أخرى لإعادة تدوير الأزمة بأسماء ومسميات جديدة.
ويرى كثير من المتابعين لهذا الشأن أن نجاحه مرهون بمدى استعداد الأطراف لتغليب منطق الدولة على منطق الغلبة، والانتقال من إدارة الصراع إلى صناعة الحل، في ظل رعاية سعودية تملك القدرة على الضبط والالتزام.
ويتجلى *الدور السعودي* الرائد ليس بوصفه وسيطًا محايدًا يراقب من بعيد، بل راعيًا حازمًا يدرك أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمنه الوطني والإقليمي.
فقد تعاملت المملكة العربية السعودية مع الملف اليمني باعتباره مسؤولية استراتيجية، فدعمت الشرعية، واحتضنت مسارات الحوار، وتدخلت حين بات خطر الانهيار الشامل يهدد الدولة اليمنية ويزعزع استقرار المنطقة بأسرها.
وجاءت *قرارات المملكة* في هذا الشأن ضمن قراءة عميقة لتوازنات الداخل اليمني، ومخاطر التمدد الانقلابي، وضرورة تصحيح المسار داخل معسكر الشرعية نفسه.
ويكتمل هذا الدور من خلال *التحالف العربي لدعم الشرعية، بقيادة المملكة العربية السعودية* الذي شكّل مظلة سياسية وعسكرية لحماية اليمن من السقوط الكامل في قبضة مشروع عابر للحدود.
ولم يكن تدخل التحالف خيارًا ترفيًّا أو اندفاعًا عسكريًا، بقدر ما كان استجابة لطلب شرعي، وضرورة لوقف تمدد الفوضى، ومنع تحويل اليمن إلى منصة تهديد دائم للأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
وإلى جانب الجهد العسكري، قدّم التحالف دعمًا إنسانيًا وتنمويًا واسعًا، سعيًا لتخفيف معاناة الشعب اليمني، والحفاظ على ما تبقى من مقومات الحياة والدولة.
بوادر الحل في *اليمن* لا تزال ممكنة ومشجعه، لكنها مشروطة بتوافر إرادة وطنية حقيقية تعترف بالأخطاء، وتتوقف عن إعادة إنتاجها، وتؤمن بأن السلاح لا يبني دولة، وأن الإقصاء لا يصنع استقرارًا.
كما أنها مرهونة بدعم إقليمي واعٍ يساند قيام الدولة، لا تغذية المليشيات، ويضبط الخلافات بدل تركها تنفجر.
فـ *اليمن* اليوم يقف على مفترق طرق حاسم؛ إما أن يستعيد بوصلته نحو الدولة، أو يبقى ساحة مفتوحة لصراع لا نهاية له.
عودة *اليمن* سعيد ليست حلمًا مستحيلًا، لكنها أيضًا ليست منحة مجانية.
إنها ثمرة مسار شاق، تتقاطع فيه شجاعة القرار اليمني مع حزم الرعاية الإقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والتحالف العربي، وصولًا إلى دولة تتسع للجميع، بعيدًا عن فوضى تُقوّض مقدراتها، وتهدد محيطها، الذي لم يعد يقبل إزاء هذا الواقع إلا بحلول ناجعة ومستدامة.