الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ اكتوبر-٢٠٢٥       11055

بقلم - أ.د. أمل بنت محمد التميمي 

يوم الاثنين 27 أكتوبر 2025م، في مساءٍ ثقافيٍّ استثنائيٍّ من مساحة ريشة ولون، في نسخة الشريك الأدب الخامسة، اجتمعت ذاكرة الأمومة بوعي الوطن لتعيد رسم ملامح التحول السعودي في نصٍّ نادرٍ عنوانه: (أمي شيخة.. ذاكرة وطن)، للكاتبة سارة بنت عبد الله الخزيم.

كتابٌ لا يُقرأ كسيرةٍ عائلية فحسب، بل كوثيقة وجدانية ترصد مسيرة امرأةٍ سعوديةٍ منذ تسعين عامًا، هي شيخة بنت راشد بن حمد بن داود، ابنة الضبيعة في قلب نجد، التي ولدت مع الشفق الأبيض عام 1354هـ، في لحظةٍ تزامنت مع ميلاد الوطن الحديث.

في هذه الفعالية التي تأتي ضمن مبادرة سيرة ملهم ويوميات الرياض بدعم مع هيئة الأدب والنشر والترجمة في نسختها الخامسة من الشريك الأدبي، تناول الحوار بين الأدب والذاكرة ثلاثة محاور كبرى: المكان والذاكرة، الأم والرمز، وعلّمتني أمي، وهي محاور تُعيد تعريف السيرة الذاتية بوصفها أدبًا وطنيًا حيًا.

في المحور الأول: المكان والذاكرة – الضبيعة والخرج... جغرافيا تنبض بالحياة في هذا العمل، لا يظهر المكان مجرد إطارٍ جغرافي، بل ككائنٍ حيٍّ يتنفس الذاكرة.

 تُصوّر سارة الخزيم الضبيعة والهياتم ومشروع الخرج الزراعي بوصفها مراحل في نمو الوطن والإنسان معًا.

 فالضبيعة لم تكن قريةً معزولة، بل نواةً روحيةً لوعيٍ جديد تشكّل من الطين والنخل والنور.

وحين تنتقل السيرة إلى مشروع الخرج الزراعي، يصبح النص وثيقةً للتحول الاقتصادي والاجتماعي في نجد منتصف القرن العشرين، حيث بدأت المرأة السعودية تخرج من البيت إلى الحقل، وتشارك بصمتٍ في بناء مجتمعٍ متكاملٍ يقوم على الكرامة والعمل.

 فتصور لنا السيرة المكان هنا ليس ذاكرة فردية، بل مرآة وطنية تعكس كيف بدأت النهضة الزراعية والتعليمية في آن، وكيف صار الطين رمزًا للنماء لا العزلة. وهذا ما يجعل من نص الخزيم كتابةً وطنية بامتياز، تمزج بين الحنين إلى المكان والوعي بتاريخ التحول.

وفي المحور الثاني: الأم والرمز – من جيل الطفرة إلى جيل الرؤية، تتجاوز شخصية الأم “شيخة” حدود التجربة الشخصية لتصبح رمزًا وطنيًا للمرأة السعودية الأولى.

هي المرأة التي علّمت بناتها بالصبر، وربّت أبناءها على الإيمان، وظلّت وفيّة لزوجها حتى بعد إصابته بالشلل وهي في الثالثة والأربعين من عمرها.

هذه السيرة التي تبدأ من “الأم” لا تنغلق عندها، بل تمتد إلى المرأة السعودية في السبعينات والثمانينات، وهي تواجه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، ثم تصل إلى الجيل الجديد في رؤية 2030، الجيل الذي وجد نفسه على أرضٍ فتحت له أبواب التعليم والعمل والتمكين الثقافي.

في سرد سارة الخزيم، تتحول شيخة إلى “المرأة الأولى” التي مهدت الطريق لكل سعوديةٍ تكتب اليوم أو تعمل أو تُبدع. هي صورة المرأة التي لم تغب عن مشهد النهضة وإن لم تكن في العلن، فالبيت الذي شيّدته شيخة هو ذاته البيت الذي خرجت منه بنات الرؤية.

إنها صلة الجذر بالفرع، بين جيلٍ كان يحفظ الوطن في الصدر، وجيلٍ يكتب الوطن في الكتب والإنجازات.

وفي المحور الثالث: علّمتني أمي – من القيم الشخصية إلى القيم الوطنية

في الصفحة الأخيرة من الكتاب، تكتب سارة فصلًا بليغًا بعنوان: “علّمتني أمي”، تقول فيه:

“علّمتني أمي أن أتمسك بتعاليم الدين...، وأن الصلاة اتصالٌ عميقٌ مع الله...، وأن شرف المرأة في بيتها...، وأن الوفاء للزوج لا يغيّره المرض ولا الزمن...”

هذه العبارات التي تختم بها الكاتبة نصها ليست مجرد وصايا أسرية، بل خلاصة وعيٍ اجتماعيٍّ سعوديٍّ أصيل تشكّل من التديّن، والوفاء، والعمل، والاحترام. قيمٌ ما تزال اليوم جوهر المرأة السعودية في زمن الرؤية، فبين جيل الأم الذي عاش الصبر بصمت، وجيل الابنة الذي عاش الحلم بصوتٍ عالٍ، تمتد خيوط الإيمان والهوية التي لم تنقطع رغم التغيرات.

 وهكذا هي الأم هي الرحم الذي يحيط بالطفل الأمان، وهي اللبنة الأول في بناء الأوطان، بين الأم والوطن… صوت السيرة السعودية.

في هذا العمل تتلاقى الأم والوطن في جملةٍ واحدة:

كلاهما وُلد من الشفق الأبيض، وكلاهما مضى في طريق النور رغم المشقة.

تُعيد سارة الخزيم من خلال “أمي شيخة” تعريف السيرة الذاتية بوصفها أدب الوعي الجمعي، لا مجرد حكاية ذات، فهي تكتب تاريخ الأم لتكتب تاريخ المملكة في تحولها الإنساني والحضاري.

اختُتمت الأمسية الأدبية المميزة حول كتاب (أمي شيخة.. ذاكرة وطن) بمشاعر وجدانية رفيعة عبّرت عن عمق الوفاء الإنساني الذي يجمع بين مرؤة الرجل وحنان المرأة، بين السيرة الشخصية والذاكرة الوطنية لمحافظة الخرج التي شكّلت أحد المهاد الأولى للنهضة الزراعية والثقافية في قلب نجد. 

وقد أجمع الحضور على أن هذا العمل الأدبي بما يحمله من صدق إنساني وتوثيق دقيق يستحق أن يتحوّل إلى فيلم وثائقي أو عمل درامي أو سلسلة من الحكايات الشفوية على منصات التواصل الثقافي، ليبقى أثر الأم والوطن متصلاً عبر الأجيال.

أثرت المداخلات الفكرية والأدبية اللقاء بحضور نخبةٍ من المثقفين والباحثين الذين تنوعت رؤاهم حول الكتاب.

فقد أشار أ.د. عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري إلى رشاقة النص وعمقه التاريخي في تصوير نجد القديمة، مؤكداً أن الكاتبة وثّقت حقبة لم تعشها، لكنها استحضرتها بوعيٍ جمع بين الحس الوثائقي والصدق الفني في الكتابة السردية.

أما أ.د. فوزية أبو خالد فقد أبرزت تفاصيل السرد المذهلة، خصوصًا فيما دوّنته الكاتبة من خصوصيات الحياة النسائية في نجد القديمة، مثل الإبرة والخيوط وتعاون النساء في الحرف والمساندة، ووصفتها بأنها تفاصيل للتاريخ الجمعي السعودي لا تتكرر إلا مع من عاشها بإخلاصٍ وصدقٍ أدبي نادر.

وأشارت د. مريم الجابري من جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن إلى أن الكتاب يمثل سيرة الأمهات في الوطن ويستحق التوثيق والتدريس في المؤسسات التعليمية بوصفه نموذجًا للأدب النسائي الوطني. أما الإعلامية نجلاء الربيعان فقد وصفت الكاتبة بأنها من أمهات الثقافة السعودية، وأشادت بقدرتها على الجمع بين الحكاية والرسالة، معتبرةً أن الكتاب يوثق التاريخ الاجتماعي من داخل البيوت السعودية لا من خارجها. وأثنت رحاب الزهراني على الروح الوطنية التي تمتلكها سارة الخزيم ورسالتها في توثيق الخرج كذاكرةٍ حية للوطن، فيما عبّرت نوف الحقباني عن إعجابها بشجاعة الكاتبة قائلةً إن سارة تمثل الصوت الأنثوي الذي يعيد للمرأة السعودية حضورها في السيرة الوطنية.

وقد أضافت الشاعرة نور الهدى غزالي لمسة شعرية بحديثها عن الأم، متغزلةً بها شعرًا ونثرًا، واصفةً الأم بأنها زخرفة العيد وبهجة الحكاية.

 كما قدّمت أ. د سعاد المانع مداخلتين، وجدانية وأكاديمية، أشارت فيهما إلى جمال المشهد الزراعي في الخرج بوصفه رمزًا للخصب والتجذر في الذاكرة السعودية، ودعت إلى قراءة الكتاب من منظور التحول الاجتماعي والاقتصادي في نجد. أما عبد الرحمن الحسين فقد تحدث عن الزمن الجميل الذي كتبته سارة للوطن، مشيدًا بالقيمة التوثيقية للعمل وداعيًا هيئة التراث إلى تبنيه ضمن مشاريع التوثيق الوطني لما يمثله من ذاكرة مكان وإنسان.

 وفي ختام الأمسية، أبدعت الشاعرة فتاة نجد بقصيدةٍ وطنيةٍ احتفت بسيرة النساء السعوديات اللواتي صنعن مجد الوطن بصبرهنّ وإيمانهنّ، لتتحول القاعة إلى مشهدٍ وجدانيٍّ يجمع بين الشعر والسيرة، بين الذاكرة والهوية، وبين صوت الأم وصوت الوطن.

لقد كانت هذه الأمسية التي نظّمتها #مساحة_ريشة_ولون ضمن #الشريك_الأدبي في نسخته الخامسة رسالة واضحة للدور الذي تقوم به هيئة الأدب والنشر والترجمة في دعم المشهد الأدبي الثقافي السعودي، وتجسيدًا لجمال الأدب حين يلتقي بالوطن، وللسيرة حين تتحول من ذاكرة شخصية إلى وثيقةٍ وطنيةٍ خالدة. فـ (أمي شيخة.. ذاكرة وطن) ليست مجرد سيرة، بل وعدٌ بالوفاء لجيلٍ من النساء كنّ في يسرن في طريق طيني لدعم الوطن فأنرن الطريق، وجسرٌ يصل الماضي بالحاضر لتبقى الأم الوجه الأول للوطن.

إننا في هذا اللقاء لا نحتفي بنص أدبي فحسب، بل نحتفي بنموذجٍ سعوديٍّ من النساء اللاتي كنّ جزءًا من النسيج الأول للوطن، وبكاتبةٍ أدركت أن الوفاء للأم هو جزءٌ من الوفاء للوطن.

 والسيرة كجسرٍ بين الأجيال، فإن (أمي شيخة.. ذاكرة وطن) بداية وعيٍ جديدٍ بأهمية توثيق التجربة النسائية السعودية.

إنها دعوة لكل كاتبٍ وكاتبةٍ ليكتبوا سيرة أمهاتهم، وجدّاتهم، ومدنهم الصغيرة، ففي تلك الحكايات الخاصة، تنبض روح الوطن في أجمل صورها.

وتبقى هذه الأمسية الأدبية التي جمعت سارة الخزيم وأمل التميمي في مساحة ريشة ولون تجسيدًا لجمال الأدب حين يلتقي بالوطن، وللسيرة حين تتحول من ذاكرة شخصية إلى وثيقة نهضةٍ وطنيةٍ خالدة.