الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ يوليو-٢٠٢٤       22660

بقلم الكاتبة | ريما آل كلزلي
 
إن الأدب متورّط وجدانيّا بالشّعور، كالفكر أحيانا استعاري و أحيانا خيالي، تعد الدراسات السيميائية فيه من أهم المجالات التي تُعنى بتحليل العلامات والرّموز في النصوص، ولأن الباب قابل للمجاز والرّمز والتّورية، لم يكن مجرد عنصر معماري يفصل بين فضاءين، بل كان رمزا للكثير من المعاني، منها: الأسرار، والفرَص، والحواجز، والتّحوّلات، وغيرها..
فهو القائم على تناصّات ذات معانٍ كثيرة ارتبط بعضها بالتاريخ، والشّخصيات السياسية، والملكية، والأسطورية، حمل معها تراثًا وطنيا خالصًا.
الأبواب تعبر عن الثقافات في تقاليدها وفي ابداعاتها، ومنالممكن أن يكون فيها الباب هو الدال والمدلول، وإدراك المستدرك لما هو غامض وما يخفي وراءه من مكنونات وأسرار، أي يحمل عنوان الفضاء والمرحلة مثل عنوان الكتاب، أو يحمل الباب دلالات تاريخية ودينية مهمة، فقد يرمز للمدخل إلى التجربة الروحية أو الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الاخروية.
استخدم الأدباء الباب كرمز للانتقال والعبور مكانيا، وزمانيا، ومعنويّا بالعبور من حالة إلى حالة أخرى، أو من مرحلة إلى مرحلة أخرى في الحياة. إذ من الممكن أن يُستخدم الباب كفكرة لتصوير انتقال الشخصية من البراءة إلى النضج، أو من الجهل للمعرفة، أو من الضعف إلى القوة. فإن فتح الباب يمكن أن نجده في روايات البلوغ، ليكون لحظة فارقة في تطور الشخصية.
في بعض الأحيان يستخدم الباب كرمز للفرص الجديدة، أو مغامرة قادمة، فيمنح الباب دلالة إيجابية، بكونه مدعاة للأمل، وأحيانا أخرى ممكن أن يكون الباب هو الحامي أو الحارس للأسرار، الذي يفصل بين العالم الخارجي والخصوصيات الشخصية أو الأسرية، أو للغموض والجريمة.
فحين يُمنح الباب معانٍ كبيرة ودلالات عميقة هذا يعني أن الحياة تحتمل أبوابًا كثيرة غير أبواب البيوت، كما للسماء أيضًابابها الفسيح الذي يتّسع للبشريّة عن آخرها، فهو أكبر باب رمزي يلتجئ إليه الناس في شتّى ظروفهم السيئة حينما يطلبون العون والثبات في اللحظات الحرجة.
 
 الأبواب يمكن أن تخلق توترًا دراماتيكيًا خاصة عندما تكون مغلقة أو محظورة، فيبرز السؤال حول ماذا يمكن أن يكون وراءها، على سبيل المثال رواية " المحاكمة" لفرانز كافكا، يرمز الباب إلى الوصول للعدالة والحقيقة التي لا يستطيع البطل الوصول إليها، فالباب في نهاية الرواية يظل مغلقًا ويمر البطل من خلاله وهو مغلق كإشارة إلى النفي والعزلة.
يستخدم الباب كرمز للحواجز الاجتماعية والعاطفية مثل الأبواب المغلقة في ثونرنفيلد في رواية "جين إير " كانت ترمز إلى الأسرار والغموض الذي يحيط بالسيد روتشستر وماضيه.
في " مائة عام من العزلة" لجابرييل جارسيا ماركيز يرمز الباب المغلق إلى العزلة والانفصال الذي يعاني منه سكان ماكاندو، ففي الأغلب كانت الأبواب مغلقة مما يعكس الحواجز بين الشخصيات وبينهم وبين العالم الخارجي.
في رواية " الباب المفتوح" للاتينيفي الذي استخدم الباب كرمز للفرص الجديدة، والمبادئ التي يمكن أن تتغير مع الفتح المجازي للأبواب.
وللرمز التاريخي أو الديني مثل أحد أبواب الجامع الأموي المقابل لباب جيرون، ويشرح المؤرخون هذه التسمية بأن بريد هو شقيق جيرون، وهو ابن عاد بن عوص بن إرم بن سام، بن نوح، ويقع الباب في نهاية سوق الحميدية، وكان بابا عظيما يبدأ ببوابة فخمة ثلاثية الفتحات، وأمام هذه البوابة العالية رواق من العمدة والأقواس الصغيرة بقيت حتى العهد الأيوبي.
حظي الباب باهتمام الأدباء العرب كذلك؛ فظهرت أفلام " الأبواب المغلقة" وروايات مثل " الباب" لغسان كنفاني، ومسلسلات" باب الحارة"، ومسرحية "الباب" ليوسف الصايغ، أما عبد الرحمن منيف فكتب مجموعته القصصية التي تعكس التحولات في المجتمع بعنوان" الباب المفتوح".
الباب في الشّعر يمكن أن يكون الباب مصدر إلهام للتعبير عن المشاعر المعقّدة مثل الحنين، الانتظار، أو الخوف من المجهول، فالباب المغلق يمكن أن يرمز للتعبير عن الفراق، أو الفقد، والباب المفتوح للترحيب أما الموارب فهو للأمل.
الباب في الأدب هو أكثر بكثير من مجرد كونه عنصر في الديكور أو جزء من البنية المعمارية، فهو رمز متعدد الأبعاد يحمل طيفا واسعا من المعاني، والدلالات. يعكس الحالات الانسانيّة المختلفة، فيستخدم لتعزيز العناصر السّردية، وتعميق الأبعاد الرمزية.