بقلم l د.نورة أحمد الملحم
للحواس قوًى خارقة تعجز عنها قوانين الفيزياء العقلية وتقرّها مجريات الحياة، فهي قنوات معرفية متداخلة تستعين ببعضها و تنوب إحداها عن وظيفة الأخرى.
ألم يرتد ليعقوب بصره حين اشتم رائحة يوسف؟
وهل استعارت أذن بشار بن برد الشاعر الكفيف دور بصره؟؛ إذ قال: يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة، والأذن تعشق قبل العين أحيانا، فضلاً عن عبقريته التي فاقت المبصرين في توظيف الألوان في صوره الشعرية.
و قد صرح علماء البلاغة بتراسل الحواس و تنقلاتها؛ فهاهو أبو هلال العسكري يذكر أن أجود التشبيه وأبلغه ما يقع على أربعة أوجه، أحدها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، و منه قول الله عز وجل: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً".
اليوفريا؛ هي النشوة و الابتهاج الشديد عامة، و من تعريفاتها الدقيقة قدرة الإنسان على الانغماس في الموسيقى، و رؤية الصوت، بل و الإحساس بلمسه.
و لو وسعنا دائرة تراسل الحواس و اختراقاتها لوجدنا ذلك جليًا في حياتنا اليومية، و هذا ما عبر عنه أرسطو بـ(الحس المشترك).
فكثيرًا ما تذكرنا أغنية برائحة عطرٍ محبب له ذكرى لا تمحى.
بل و تعيدنا صورة كرسي قديم في منزل العائلة لطعمِ طبقٍ تقليدي تعده الأم بقلبها قبل يديها ، فنحس بطعمه في فمنا و تدمع أعيننا لذكرياتٍ معجونة برائحة الحنين.
و حين نمر بمنازلنا القديمة نكادُ نسمع صوت ضحكات إخوتنا و شجاراتهم صغارًا.
النفس البشرية عالم غامض ذات مداخل و مخارج لا يمكن القبض عليها أو التنبؤ بها، فالروح من أمرِ ربي. و ما تراسل الحواس إلا جانبٌ من جوانبها
"و في أنفسكم أفـلا تبصرون".