الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ نوفمبر-٢٠٢٦       2255

بقلم : د. علي بن عالي السعدوني. 

استطاع الروائي أسامة المسلم في روايته ليلة ماطرة أن يصنع عالمًا مشحونًا بالخوف والغموض، وأن يجذب القارئ إلى أحداث تتسارع فيها المفاجآت وتتداخل فيها العلاقات الإنسانية مع القوى الخارقة، وقد نجح في توظيف المطر والليل والعزلة لصناعة أجواء نفسية مثيرة غير أن هذا النجاح في التشويق لا يمنع الناقد من الوقوف أمام بعض التصرفات والأحداث التي تحتاج إلى قدر أكبر من العقلانية والإقناع الفني، فالرواية الجيدة لا تقاس بقدرتها على إثارة الخوف وحده، وإنما بقدرتها على جعل القارئ يصدق ما يحدث داخل عالمها، ويفهم الأسباب التي دفعت الشخصيات إلى اتخاذ قراراتها.

وتبرز شخصية (ديم) بوصفها فتاة تبحث عن حريتها بعد سنوات من الرقابة والحماية الأسرية، وهي فكرة إنسانية جميلة كان يمكن للكاتب أن يستثمرها في بناء صراع نفسي أكثر عمقًا غير أن بعض تصرفاتها بدت بعيدة عن الحذر الذي يفترض أن تمنحه إياها تجربتها السابقة خاصة في تعاملها مع الغرباء، فليس المطلوب من الشخصية الروائية أن تكون مثالية أو معصومة من الخطأ، وإنما أن تكون أخطاؤها مفهومة ومتصلة بطبيعتها النفسية؛ لأن القارئ يستطيع أن يتقبل ضعف الإنسان وتردده، لكنه يجد صعوبة في تقبل قرار لا يجد له تمهيدًا مقنعًا.

ومن نقاط القوة التي تحسب للكاتب قدرته على إدارة التوتر وتوظيف شخصية القط (ليو) في بناء علاقة عاطفية مع البطلة، وكذلك تقديم شخصية (كمال) بوصفها مصدرًا للحماية والوفاء غير أن الرواية بالغت في بعض مشاهد العنف والانتقام حتى أصبح الوصف الجسدي للقسوة يتقدم أحيانًا على التحليل النفسي للشخصيات، وكان من الممكن أن يكون الرعب أشد تأثيرًا لو ترك الكاتب مساحة أوسع لخيال القارئ، واهتم بما يتركه الخوف في النفس من اضطراب وفقدان للثقة، فالأدب الذي يجعل الإنسان يشعر بالألم أعمق أثرًا من الأدب الذي يكتفي بوصف صورته.

أما الشخصيات الشريرة فقد أدت دورها في إثارة الخوف، لكنها كانت تحتاج إلى بناء نفسي يفسر دوافعها وتحولاتها؛ لأن تصوير الشر في أقصى درجات بشاعته لا يمنح الشخصية بالضرورة عمقًا أدبيًا، وكان يمكن للرواية أن تزداد قوة لو اهتمت بتفسير الأفكار التي دفعت هذه الشخصيات إلى ارتكاب أفعالها مع إحكام القواعد التي تحكم القوى الخارقة وعلاقتها بالأحداث، حتى يشعر القارئ أن المفاجآت تنشأ من طبيعة الحكاية ولا تأتي استجابة لرغبة الكاتب في زيادة الإثارة.

ويبدو أن أبرز ما تحتاج إليه ليلة ماطرة هو التوازن بين الخيال والعقل، وبين الحدث ودوافعه، وبين الخوف ومعناه الإنساني، فقد امتلك أسامة المسلم قدرة واضحة على جذب القارئ وإبقائه قريبًا من الأحداث، لكنه كان يستطيع أن يجعل تجربته الروائية أكثر نضجًا لو منح الشخصيات تعقيدًا نفسيًا أعمق، وخفف من مباشرة العنف، وربط الأحداث بأسباب أكثر إقناعًا، فالرواية التي تجعل القارئ يخاف قد تنجح في تسليته، أما الرواية التي تجعله يخاف ويفكر ويفهم فإنها تنجح في البقاء داخل