الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ اكتوبر-٢٠٢٦       4235

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

لا تُستهدف الدول المركزية بجيشٍ واحد؛ بل تُحاصَر بروايةٍ تُشوّهها، ووكيلٍ يستنزفها، وقوةٍ كبرى تُدير التوتر من بعيد. فالدولة المركز لا تُقاس بمساحتها وحدها، بل بمقدار الفراغ الذي يخلّفه اضطرابها. ومن هنا تُقرأ السعودية: إذا استقرت استقرَّ ما حولها، وإذا اهتزت انتقل الارتجاج إلى الممرات والأسواق والحدود والعواصم.

وفي زمن الوكلاء ؛ لا تحتاج القوى إلى أن تخوض الحرب بيدها ، يكفي أن تسلّح جماعة، أو تموّل منبرًا، أو تفتح ساحةً هشة لتنافس النفوذ، ثم تراقب الحريق من خارج المشهد. وقد يخرج الصاروخ من أرضٍ، ويأتي قراره من أرضٍ أخرى، وتُكتب مبرراته في منصةٍ ثالثة. ولذلك، فالصاروخ الذي يُطلق من الجنوب، والحملة التي تُدار في الفضاء العربي، والتوتر الذي يُصنع في الساحات الهشّة، ليست بالضرورة ملفاتٍ متفرقة؛ بل طبقاتُ معركةٍ واحدة.

والسعودية تعاملت مع هذه المعادلة بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة. فهدوؤها ليس ترددًا، وصمتها ليس عجزًا؛ إذ ليس كل ما يُعلَم يُقال، ولا كل ما يُقال يستحق جوابًا. والدولة التي تعرف وزنها لا تجعل خصمها يختار لها توقيت الرد، بل تُعِدّ وتراقب، ثم تجعل الفعل أبلغ من البيان.

ومن أخطر جبهات هذه المعركة جبهة الوعي. فهناك من يريد تحويل السعودية، في ذهن العربي، من دولة استقرار إلى دولة اتهام؛ يُصوّر نجاحها تهديدًا، وحمايتها لأمنها مغامرة، ومواقفها المتزنة تهمة. وليس كل نقدٍ حقدًا، كما أن ليس كل ضجيجٍ وعيًا؛ لكن حين تتوحد المفردات، وتتكرر التهم، ويُختزل تاريخ دولةٍ في صورةٍ مشوّهة، ندرك أننا أمام صناعة خصومة لا اختلاف رأي.

ومن لا يملك روايته ؛ يترك خصمه يكتب تاريخه. ولذلك، فالمطلوب ليس أن تدخل السعودية في جدالٍ مع كل منبر، بل أن تحمي وعيها الوطني والعربي بالحقيقة والإنجاز والقدرة. فالدول لا تُهزم بالشائعات ما دام داخلها يعرف الفرق بين النقد الذي يبني، والضجيج الذي يهدم.

أما العلاقة مع الإمارات، فيجب أن تُقرأ بميزانٍ عادل: لا خصومة مع شعبٍ شقيق، ولا اعتراض على نجاحٍ خليجي هو مكسبٌ للمنطقة. غير أن السياسة لا تُقاس بحسن الصلات القديمة وحده، بل بمآلات الخيارات حين تتبدل المصالح. فالسؤال ليس: من يملك المال؟ بل: ماذا يصنع به؟

فالمال إذا دخل في الاستثمار والبناء كان قوةً تُحترم، أما إذا اتجه إلى صناعة مراكز نفوذ خارج مؤسسات الدولة، أو إلى تقوية جماعاتٍ موازية لها، فإنه يتحول من نعمةٍ اقتصادية إلى ثغرةٍ سياسية. وقد لخّص ابن خلدون هذه الحقيقة في قاعدته الباقية: «الظلم مؤذن بخراب العمران»؛ والظلم لا يكون بالسلاح وحده، بل يكون حين تُضعف الدولة في بلدٍ ما لتُمنح جماعةٌ فوقها قدرةً لا تستحقها.

وفي اليمن، المسألة ليست خلافًا عابرًا بين قوى محلية؛ فاليمن امتدادٌ مباشر للأمن السعودي. وكل سلاحٍ يخرج عن سلطة الدولة، وكل ميناءٍ يتحول إلى ورقة ضغط، وكل جماعةٍ ترتفع فوق المؤسسات، هو خصمٌ من أمن السعودية قبل أن يكون خصمًا من مستقبل اليمن. ومن هنا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾؛ فالتنازع لا يبدد قوة الدولة وحدها، بل يفتح بابها لمن ينتظر أن يدخل منها.

والحوثي هو الصورة العسكرية الأوضح لوكيلٍ تجاوز حجمه المحلي. فالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة واستهداف المطارات والمنشآت المدنية ليست أدوات خلاف داخلي؛ بل وسائل ضغطٍ إقليمي، يراد بها إنهاك السعودية، وإرباك اقتصادها، واختبار صبرها. ولذلك، فإن القوات الجوية السعودية ومنظومة الدفاع الجوي لا تحمي السماء فحسب؛ بل تحمي ثقة المواطن، واستمرار الاقتصاد، وأمن الملاحة، وتمنع الصاروخ من أن يتحول إلى لغة تفاوض.

وفي ذلك يجيء الأمر القرآني جامعًا للمعنى: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة﴾. فالقوة ليست شهوة الحرب، بل الشرط الذي يمنع الآخرين من فرضها؛ وهي ليست دعوةً إلى الخصومة، بل تأكيدٌ على أن السلام الذي لا تحرسه قدرةٌ يتحول إلى هدنةٍ مؤقتة.

وعلى الضفة الأخرى، لا يصح التعامل مع أميركا وإسرائيل كأنهما حكمان فوق المصالح. فالدول الكبرى تدير أزماتها وفق حساباتها، ثم تبحث عن ساحاتٍ أقل كلفة لتبادل الرسائل. والخطر ليس في الضربة المحتملة لإيران وحدها، بل في السؤال الذي يليها: أين سيكون الرد، ومن سيدفع الثمن؟ فالممرات والمنشآت والمدن القريبة قد تصبح، في لحظة توتر، عناوينَ لرسائل لم يكتبها أهلها.

لذلك ؛ لا ينبغي أن تتحول الحرب الأميركية–الإيرانية إلى حربٍ إيرانية–سعودية بالأذرع والصواريخ. ولا أن تبقى القوى الكبرى فوق المشهد، فيما تتحمل المنطقة كلفة الفوضى وتعطل الاقتصاد وقلق الشعوب. فالسعودية ليست صندوق بريدٍ عسكريًا، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا جائزةً تتنافس عليها مشاريع الوكلاء.

وفي مثل هذه اللحظات تُختبر التحالفات؛ فالتحالف ليس صورةً في قمة، ولا وعدًا في بيان، بل موقفٌ حين تشتد الأزمة. والسعودية تعرف قيمة شركائها، لكنها تعرف كذلك أن أمنها لا يُستعار، وأن الدولة التي لا تحمي قرارها بقوتها الذاتية تصبح رهينةً لتقلّب مصالح الآخرين.

إن معركة السعودية ليست رغبةً في خصومة، بل دفاعٌ عن مبدأ: أن تبقى الدولة دولةً، والسلاح تحت رايتها، والمال في خدمة البناء، والقرار في يد المؤسسات. فالسعودية ليست ساحةً لرسائل الآخرين؛ إنها سدُّ التوازن الذي إذا بقي صلبًا، بقي للإقليم بعضُ اتزانه.