الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ اكتوبر-٢٠٢٦       2090

بقلم ـ عبدالله مطر العنزي

لم تعد المشكلة في هذا الزمن أننا لا نلتقي، بل أننا نلتقي كثيرًا ولا نعرف بعضنا إلا قليلًا. اتسعت دوائر التواصل، وضاقت مساحات القرب الحقيقي، وأصبح الإنسان قادرًا على أن يحيط بعشرات الوجوه كل يوم، دون أن يجد وجهًا واحدًا يستطيع أن يضع أمامه تعبه دون مواربة، أو يتحدث إليه دون أن يحسب وقع كلماته على ميزان المصلحة.

 

كانت العلاقات الإنسانية تُبنى قديمًا على مهل؛ موقف يترك أثره، ووفاء تثبته الأيام، وعشرة تكشف معادن الرجال حين تتبدل الأحوال. لم يكن القرب يُقاس بكثرة اللقاءات، ولا المحبة بعدد الكلمات، بل بما يبقى في النفس بعد انفضاض المجالس، وبمن يحضر حين لا يكون للحضور مردود، ولا للوقوف إلى جانبك مكسب.

 

أما اليوم، فقد تسللت إلى بعض علاقاتنا حسابات لم تكن بهذه الصراحة من قبل. صار بعض الناس يقتربون بقدر ما يحتاجون، ويبتعدون بقدر ما تنتهي حاجتهم، ويمنحونك من الاهتمام ما يكفي لإبقائك قريبًا، لا ما يكفي ليكونوا قريبين منك حقًا. وهنا يقع التشوه الأشد إيلامًا؛ حين يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين من يريده لذاته، ومن يريده لما يمثله من منفعة أو مكانة أو مصلحة عابرة.

 

وليس الخلل في المصالح ذاتها؛ فالحياة لا تخلو من تبادل المنافع، ولا يُطلب من الناس أن يتجردوا من حاجاتهم، وإنما الخلل حين تصبح المصلحة هي الأصل، وتتحول المودة إلى غطاء مهذب للمنفعة، ويغدو الوفاء التزامًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء أسبابه. عندها لا تعود العلاقة مساحة للأمان، بل تصبح معاملة غير مكتوبة، لكل طرف فيها حساباته التي يخفيها خلف عبارات الود.

 

والأشد غرابة أن بعض العلاقات لم تعد تحتمل الصراحة؛ فالكلمة الصادقة تُفسر جفاءً، والعتاب يُعامل كأنه خصومة، والاختلاف يُحسب انتقاصًا من المحبة. يريد بعضنا علاقة لا يعكر صفوها سؤال، ولا يختبر متانتها موقف، ولا يكشف حقيقتها خلاف. لكن أي علاقة هذه التي لا تتسع للحقيقة؟ وأي مودة تلك التي لا تصمد أمام عتاب عابر؟ إن العلاقة التي تحتاج إلى المجاملة الدائمة كي تبقى، قد تكون في حقيقتها أضعف من أن تواجه أبسط اختبار.

 

ومع ذلك، ليس من الإنصاف أن نحكم على هذا الزمن كله بسوء الظن، أو أن نجعل من الخيبات مبررًا لإغلاق الأبواب. فما زال بين الناس من يحفظ الود في غيابك، ويذكرك بخير حين لا تكون حاضرًا، ويقف معك دون أن يشعرك بثقل ما فعل، ومن يرى في العلاقة مسؤولية أخلاقية لا صفقة مؤجلة. هؤلاء لا يصنعون ضجيجًا حول وفائهم، لكن مواقفهم تمنح الحياة شيئًا من اتزانها المفقود.

 

إن بناء العلاقات الإنسانية ليس مهارة في كسب الناس، ولا قدرة على قول ما يحبون سماعه، بل هو نضج في فهمهم، وصدق في التعامل معهم، واحترام لحدودهم، ووفاء لا يتغير بتغير الظروف. وهو، قبل ذلك كله، أن نكف عن مطالبة الآخرين بأن يكونوا كما نشتهي، وأن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، ونتعاتب دون أن نتجافى، ونبتعد حين يلزم البعد دون أن ننكر جميل العشرة.

 

فليست العبرة بكثرة من يعرفون أسماءنا، ولا بعدد من يملؤون هواتفنا بالرسائل، وإنما بمن يعرفون حقيقتنا ولا يستثقلونها، ويشهدون ضعفنا فلا يستغلونه، وتتغير أحوالنا فلا تتغير نظرتهم إلينا.

 

ولعل ما تحتاجه علاقاتنا اليوم ليس مزيدًا من وسائل التواصل، بل قدرًا أكبر من الصدق، ولا مزيدًا من الوجوه، بل وجوهًا أقل قدرة على التلون. فالعلاقات لا تموت دائمًا بسبب عداوة صريحة؛ أحيانًا يقتلها التظاهر، وتستنزفها الحسابات، ويطفئها شعور خفي بأنك لم تعد محبوبًا لذاتك، بل لما تستطيع أن تقدمه.