الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ اكتوبر-٢٠٢٦       2145

بقلم: د. منيرة العمري

ثمّة أناسٌ يغادرون المكان، ولا يغادرهم المكان. تُرفع أسماؤهم من الأوراق، وتُخلى مكاتبهم، غير أن بصماتهم تبقى على الجدران التي لا تُرى: في طريقة العمل، وفي نبرة الحوار، وفي قيمةٍ صارت عُرفًا لا يسأل أحدٌ عن مصدره. ذلك هو الأثر؛ الكائن الوحيد في المدرسة الذي لا يُحال إلى التقاعد.

ثمة أوقات نستعيد فيها تلك الوجوه التي علّمتنا، ونفتّش في الذاكرة عن كلماتٍ أضاءت لنا الطريق. غير أن الذاكرة تقف هذا العام عند معلّمةٍ من طرازٍ آخر؛ لم تكن لها سبّورة ولا جدول حصص، وكان فصلُها مدرسةً بأكملها. ففي متوسطة عاتكة بنت الوليد بالمدينة المنورة، تحت قيادة الأستاذة عائشة الرحيلي، أدركتُ أن الإدارة قد تكون أوسع حصص التعليم وأطولها عمرًا.

كان ذلك فصلًا مختلفًا؛ يُتعلَّم فيه الدرس أثناء العمل لا قبله، وتأتي مادته في توجيهٍ عابر، أو كلمة تشجيعٍ في أوانها، أو ثقةٍ تفتح لفكرةٍ خجولة بابًا ما كنّا نجرؤ على طرقه.

هناك عرفتُ أن اكتشاف قدرات الآخرين أمانة، وأن الفكرة الصغيرة تولد هشّةً كالبذرة، لا ينقذها إلا من يصغي إليها، ويرى الشجرة الكامنة فيها، ويمنح صاحبتها شجاعة العبور من التصوّر إلى الوصول. وحين يكتمل النجاح لا يُنسب إلى فرد، بل يتّسع فرحُه لكل يدٍ أسهمت فيه؛ هذه كلماتها لنا دائما : (لا تنسبوا التميز لي وحديّ!! بل بإنجاز الجميع وصلنا للتميز ) فالإنجاز الذي يُتقاسَم يتضاعف .

كما أن الإتقان والأمانة في ذلك الفصل عبادةً قبل أن تكون معيار أداء؛فالعمل الذي يُؤدّى وعينُ صاحبه على الله لا يحتاج رقيبًا، ولا ينتظر شاهدًا من البشر؛ قال تعالى : ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾.

والمدرسة عالمٌ حيّ، تتقاطع فيه حاجات الطالبات وجهود المعلمات وتطلّعات الأسر، وفي هذا العالم قد تترك طريقةُ معالجة الموقف أثرًا أعمق من الموقف ذاته. هناك تعلّمنا التأنّي قبل الحكم، والنظر إلى ما وراء السلوك، واختيار الكلمة التي تُبصِّر بالخطأ وتصون كرامة صاحبه.

 تعلّمنا أن الإنصات نصفُ العدل، وأن الحزم إذا صحبه الاتزان أثمر، وأن فرصة التصحيح قد تكون البابَ الذي تعبر منه طالبةٌ أو معلمةٌ إلى نسخةٍ أفضل من نفسها.

وما أصدق قوله ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَه» (رواه مسلم)؛ فالرفق في التربية ليس لينًا في المبدأ، بل حكمةٌ في الوصول إليه، وإحسانٌ في الطريقة كما هو إحسانٌ في الغاية.

ومع مرور السنين أدركتُ أن كثيرًا من نضجنا المهني لا يأتي من الكتب، بل ممّن نعمل إلى جوارهم. نتأمّل اختياراتهم، ثم نجد شيئًا منهم في طريقتنا دون أن نشعر: نُطيل الإصغاء قليلًا، ونتمهّل قبل الحكم، ونمنح فكرةً فرصةً إضافية، ثم نتذكّر فجأةً من غرس فينا هذا المعنى.

هكذا يسري الأثر كما يسري الغيث؛ ينزل على أرضٍ فتشربه، ثم تُنبت ما ينتفع به غيرها. وقد ضرب النبي ﷺ المثل بذلك فقال: «مَثَلُ ما بعثني اللهُ به من الهدى والعلمِ كمَثَلِ الغيثِ الكثيرِ أصاب أرضًا...» (متفق عليه). فالمعلمة التي وجدت من يؤمن بقدرتها تحمل تلك الثقة إلى صفّها: تشجّع طالبةً متردّدة، وتلمح موهبةً صامتة، وتفتح لأخرى باب المشاركة. وتكبر الطالبة قبل أن تدرك قيمة تلك اللحظات، لكنها تحمل أثرها في نظرتها إلى نفسها وفي تعاملها مع الناس. وهكذا تغدو القيادة معلّمةً لطالباتٍ لم يجلسن أمامها في حصةٍ قطّ، ويمتدّ درسها في أجيالٍ لم تعرف وجهها.

وفي هذا الامتداد سرٌّ من أسرار الأجر الذي لا ينفد؛ إذ يقول ﷺ: «مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجرِ مثلُ أجورِ مَن تبِعَه، لا ينقصُ ذلك من أجورِهم شيئًا» (رواه مسلم). فكل معلمةٍ اقتدت، وكل طالبةٍ نهضت بعد عثرة، حلقةٌ في سلسلةٍ من الخير لا يُعرف آخرها.

وما زالت في أروقة المدرسة أفكارٌ بدأت هناك، ومبادراتٌ اشتدّ عودها بذلك الدعم. تتجدّد الوجوه، ويبقى النور ممتدًّا في الممرات والفصول كخيطٍ من ضوءٍ لا ينقطع. فالمؤسسات التربوية لا تُبنى دفعةً واحدة، بل بعطاءٍ متّصل: يتسلّم كل جيلٍ ما تعلّمه، فيضيف إليه، ثم يسلّمه لمن بعده.

فالعلم النافع لا يقتصر على ما يُلقى في الدروس ويُدوَّن في الكتب؛ بل منه خبرةٌ تُورَّث، وحكمةٌ تُستأنف في قرار، وقيمةٌ تُغرس في نفسٍ فتثمر في أخرى. والمربّي الذي يصنع ذلك إنما يكتب في صحيفةٍ لا تُطوى، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]؛ فالآثار تُكتب كما تُكتب الأعمال، وربما كانت أطول منها عمرًا.

فهذا العطاء لابد أن يُروى؛ والثناء عليهم من باب الشكرالذي قال عنه نبينا ﷺ: «لا يشكرُ اللهَ مَن لا يشكرُ الناسَ» (رواه أبو داود)، وقال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]. و أجمل الشكر لا يكون محصوراً بالكلمات ، بل يمتد بالإحسان إليهم.

فشكرًا لكل فكرةٍ أسهمت في بناء فرصة، ولكل توجيهٍ زادنا بصيرة . شكرًا لأنكِ كنتِ معلّمةً لنا ونحن نعمل، ولأن في ذاكرتنا المهنية والإنسانية دروسًا تحمل بصمتكِ وإن لم تحمل اسمكِ.

فلكِ من التقدير ما يليق بعطاءٍ لم يكن مشروطًا بالثناء، ومن الوفاء ما يليق بيدٍ امتدت لتعين لا لتُذكر، وبقلبٍ اتّسع للناس قبل أن تتسع لهم الخطط والبرامج. إن بعض الجميل يُشكر بالكلمات، وأجمله يُصان بأن نواصل ما بدأه أصحابه..

فلا يُقاس عمر المعلّم والقائد بسنوات خدمته، بل بالمدى الذي يبلغه صوته في أفعال من جاؤوا بعده، وهم لا يعلمون أنه صوته. المناصب تُغادَر، والمكاتب تُخلى، والأسماء تُرفع عن الاأوراق وفوق لأبواب؛ أما الأثر فلا يعرف التقاعد، لأنه لم يكن يومًا وظيفة، بل حياةٌ تُعاش في الآخرين.

ومابقي منكِ فينا أكبر من ذكرى عابرة؛ بقي معيارًا نحتكم إليه، وشجاعةً نستعيرها حين تتردّد الخطى، ووفاءً نحمله إلى من يأتي بعدنا. فشكرًا لعطاءٍ علّمنا كيف نعطي، ولأثرٍ علّمنا كيف نبقى.

غادرتِ مكتب الإدارة، وبقي لكِ فينا فصلٌ لا يُغلق بابه، ودرسٌ لا يُقرع جرسُ انتهائه.