الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ اكتوبر-٢٠٢٦       4180

بقلم: عيسى المزمومي

كبرتُ في جدة! 

في جدة الأولى؛ جدة التي لم تكن تشبه جدة اليوم، حين كانت الحياة أكثر بساطة، والوجوه أكثر ألفة، والشوارع تحتفظ بذاكرة الذين مرّوا بها. كان للحي صوته الذي نألفه، وللبيوت روائحها التي لا تُنسى، وللشوارع حكاياتها الصغيرة التي لم نكن ندرك، ونحن نعيشها، أنها ستصبح يومًا جزءًا من ذاكرتنا التي نشتاق إليها.

كنت طفلًا أرى العالم بعينين بريئتين، وألتقط تفاصيله دون أن أعرف قيمتها؛ نبرة صوت، أو كلمة عابرة من أحد الكبار، أو موقفًا في البيت، أو مشهدًا في الشارع، أو فرحة صغيرة لا أعرف سرّها، أو خوفًا غامضًا ظلّ عالقًا في داخلي دون أن أفهم أسبابه.

لم أكن أفهم تلك الأشياء وقتها، ولم أكن أعرف أن بعض التفاصيل التي تمرّ بنا في طفولتنا لا تنتهي بانتهاء لحظتها، بل تبقى كامنة في أعماقنا، تنتظر العمر المناسب كي تكشف لنا معناها! 

كبرتُ، واكتشفت أن الإنسان لا تصنعه الأحداث الكبيرة وحدها، بل تصنعه أيضًا التفاصيل الصغيرة التي ظنّها عابرة، والمواقف التي لم يتوقف عندها طويلًا، والكلمات التي سمعها دون أن يدرك أنها سترافقه سنوات طويلة.

في طفولتي، كنت أصدّق الكبار. كنت أظن أن الأب يعرف، وأن الكبير لا يخطئ، وأن صاحب التجربة يملك الإجابة الصحيحة، وأن العمر حين يتقدم بالإنسان يمنحه بالضرورة حكمةً تكفي لفهم الحياة! 

لكنني اكتشفت، شيئًا فشيئًا، أن الكبار بشر أيضًا؛ يخطئون، ويترددون، ويخافون، وتخذلهم أحيانًا قدرتهم على الاختيار. وأن الذين نظنهم يملكون الإجابات قد يكونون هم أنفسهم في رحلة بحث طويلة عنها.

كانت تلك إحدى أولى الصدمات الهادئة التي علّمتني التواضع؛ فقد فهمت متأخرًا أن العمر لا يمنح الإنسان الحكمة تلقائيًا، وأن التجربة لا تصبح معرفةً نافعة إلا حين نتأملها ونتعلم منها. فلا أحد يملك الحياة كاملة، ولا أحد يرى الطريق من بدايته إلى نهايته.كل إنسان يتعلم وهو يمضي، ويحمل خريطته الناقصة، ويكتشف ملامح الطريق كلما خطا فيه خطوة جديدة. وربما كانت أجمل ما تمنحنا إياه الحياة أنها تترك فينا دائمًا مساحةً للتعلّم، مهما ظننا أننا فهمناها.

وفي المدرسة، تعلّمت درسًا آخر لم أفهم مغزاه إلا بعد سنوات. كنا في الصف الرابع الابتدائي نتنافس على المراكز الأولى. بدا التنافس في بدايته بريئًا، كما يليق بالأطفال، لكنه كان يتجاوز أحيانًا حدود المنافسة إلى التهديد والوعيد، وربما إلى مواجهة بعد انتهاء اليوم الدراسي.

كنا صغارًا، ومع ذلك كنا نمارس شيئًا من عالم الكبار؛ نريد التفوق، ونرغب في أن نكون الأوائل، ونخشى أن يسبقنا أحد إلى المكان الذي نطمح إليه.

لم أكن أفهم يومها كيف يمكن لنجاح زميل أن يتحول إلى سبب للغضب، أو كيف تصبح المرتبة التي يحصل عليها الآخر انتقاصًا من قيمة من لم يحصل عليها.

لكنني فهمت لاحقًا أن بعض الناس لا ينظرون إلى النجاح بوصفه فرصةً للتطور، بل يرونه سباقًا لا بد أن يخسر فيه أحدهم حتى يشعروا بأنهم فازوا.

وحين يعجز الإنسان عن الارتقاء بنفسه، قد يحاول أن يخفض الآخرين إلى مستواه؛ كأن التفوق لا يتحقق إلا بإزاحة المنافسين من الطريق.

ومن تلك الذكريات البعيدة، تعلّمت أن المنافسة تكون جميلة حين تدفعنا إلى تحسين أنفسنا، لكنها تفقد جمالها حين يتحول نجاح الآخرين إلى تهديد، وحين تصبح الغيرة أقوى من الرغبة في التعلم! 

وتعلّمت أن المركز الأول، مهما بلغت قيمته، لا يستحق أن نخسر أخلاقنا من أجله؛ فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل قبل الآخرين بأي وسيلة، بل أن تصل وأنت تحتفظ بنفسك، وأن تتقدم دون أن تجعل من طريقك جسرًا تعبر عليه بإيذاء غيرك.

وفي جدة، تشكّلت ذاكرتي الأولى، وتعلّمت، دون أن أدرك، أن المكان ليس مجرد شوارع ومبانٍ وأسماء على الخرائط؛ إنه جزء من تكوين الإنسان، وامتداد خفيّ لروحه.

فالمدينة التي نولد فيها تترك شيئًا من صوتها في أصواتنا، وشيئًا من ملامحها في ذاكرتنا، وشيئًا من طرقها في نظرتنا إلى الحياة. وربما نحمل من المكان أكثر مما نتصور؛ نحمل طباع الناس الذين عرفناهم، وتفاصيل البيوت التي سكنّاها، وإيقاع الأيام التي عشناها فيه.

كنت أظن أن الإنسان يترك المكان حين يبتعد عنه، ثم اكتشفت أن بعض الأماكن لا نتركها تمامًا؛ إنها تترك أثرها فينا، وتمضي معنا أينما ذهبنا.

تبقى في لهجتنا، وفي ذاكرتنا، وفي الأشياء التي نشتاق إليها دون أن نعرف السبب، وفي لحظات الصمت التي تعيدنا إليها من غير موعد.

حتى بلغت التاسعة عشرة من عمري، كنت أحمل أسئلة كثيرة: من أكون؟ ماذا أريد؟ أي طريق ينبغي أن أسلك؟ وهل سأبقى في المكان الذي نشأت فيه، أم ستأخذني الحياة إلى مكان آخر؟! 

لم أكن أملك الإجابات، ولم أكن أعرف أن عدم امتلاكها ليس عيبًا، وأن الحيرة في بعض مراحل العمر ليست دليلًا على الضياع، بل قد تكون بداية الوعي بما نريد وما لا نريد.

كنت أرغب في معرفة الطريق قبل أن أسلكه، وأبحث عن ضمانات لا تملك الحياة أن تمنحها لأحد. لم أكن أدرك أن بعض الإجابات لا تظهر ونحن نقف على عتبة التجربة، وإنما تتكشف لنا حين نمتلك الشجاعة لعبورها. ثم بلغت التاسعة عشرة، وغادرت جدة! 

لم يكن الرحيل مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى؛ كان عبورًا من مرحلة إلى مرحلة، ومغادرةً لمكان احتضن طفولتي ومراهقتي، واحتفظ بوجوه وشوارع وذكريات لم أكن أعرف أنني سأحملها معي طوال تلك السنوات.

غادرتُ جدة وأنا أظن أنني ذاهب إلى مكان جديد، لكنني، من حيث لا أعلم، كنت أبدأ رحلةً لاكتشاف إنسان جديد في داخلي.

هناك بدأت أفهم أن الحياة لا تمنحنا أنفسنا جاهزة، ولا تكشف لنا حقيقتنا دفعة واحدة؛ إنها تصنعنا على مهل، من خلال ما نعيشه، وما نخسره ونكسبه، وما نخطئ فيه ونتعلم منه، ومن خلال الأشخاص والأماكن التي تمرّ بنا وتترك في أرواحنا آثارًا لا تمحوها المسافات.

ومع مرور السنوات، أدركت أن معرفة الإنسان بنفسه لا تتحقق بالتفكير وحده، ولا بكثرة الأسئلة التي يطرحها على ذاته، بل بالتجربة أيضًا؛ حين يجد نفسه أمام مسؤولية لم يستعد لها، أو قرار لا يحتمل التأجيل، أو خسارة لم يتوقعها، أو بداية جديدة تفرض عليه أن يعيد ترتيب حياته من الداخل.

فثمة أشياء لا نفهمها حين نسمع عنها، ولا حين ينصحنا الآخرون بتجنّبها؛ نفهمها حين نعيشها، ونواجه نتائجها، ثم نعود إلى أنفسنا لنسأل: ماذا تعلّمت؟

واليوم، حين أعود بذاكرتي إلى ذلك الشاب الذي غادر جدة في التاسعة عشرة، لا ألومه على جهله، ولا أعاتبه على حيرته.

كان يريد أن يفهم الحياة بسرعة، ولم يكن يعرف أن بعض المعاني لا تنضج فينا إلا بعد أن نمنحها من أعمارنا ما يكفي.

كان يريد أن يعرف قيمة الاستقرار قبل أن يختبر القلق، وقيمة بعض الأشخاص قبل أن يتذوق مرارة الفقد، وأن يعرف الطريق قبل أن يمشيه. ولم يكن يدرك أن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى أن يبتعد عن الأشياء حتى يرى حقيقتها، وأن بعض الدروس لا تأتي في صورة نصائح، بل في صورة تجارب تترك فينا أثرًا لا يزول بسهولة.

لقد فهمت متأخرًا أن الإنسان لا يعود إلى ماضيه دائمًا ليغيّره، فالماضي، مهما تمنينا، لا يستجيب لرغباتنا؛ لكنه قد يعود إليه ليفهم نفسه، ويقرأ أحداثه بعين أكثر نضجًا، ويكتشف المعاني التي كانت غائبة عنه حين عاشها.

ولهذا، لا أستطيع أن أفصل الرجل الذي أصبحتُه عن الطفل الذي كنتُه. فذلك الطفل لم يكن مرحلةً انتهت وانقضت، بل كان البداية التي انطلقت منها كل الحكاية.

ما زال يسكن شيئًا في داخلي؛ في حنيني إلى الأماكن الأولى، وفي تأثري ببعض الكلمات، وفي نظرتي إلى الناس، وفي محاولتي الدائمة أن أفهم ما وراء المواقف والوجوه.

فالبدايات، مهما ابتعدنا عنها، لا تغادرنا تمامًا؛ إنها تتحول مع الزمن إلى جذور خفية، تمنحنا بعض ملامحنا، وتفسّر جانبًا من اختياراتنا، وتذكّرنا بأن الإنسان، مهما تغيّر، يحمل في أعماقه شيئًا من الطفل الذي كانه يومًا.

لم أكن أعرف، وأنا في التاسعة عشرة، أن السنوات القادمة ستضعني أمام العمل والمسؤولية، والنجاح والخسارة، والعلاقات والرحيل، والزواج والانفصال، والبدايات التي تأتي بعد نهايات لم نكن نتخيلها.

لم أكن أعرف أن بعض الأبواب التي سأحزن يومًا لإغلاقها، سأفهم لاحقًا أن إغلاقها كان جزءًا من الطريق، وأن بعض النهايات، مهما بدت موجعة، قد تفتح أمام الإنسان أبوابًا لم يكن ليراها لو ظلّ واقفًا عند الباب القديم.

وليس معنى ذلك أن كل خسارة نعمة، أو أن كل ألم يحمل في داخله تعويضًا قريبًا؛ بل إن بعض التجارب لا تمنحنا معناها في لحظتها، وإنما تترك لنا مهمة فهمها حين تهدأ مشاعرنا، وتتسع رؤيتنا، ونصبح أكثر قدرةً على التمييز بين ما فقدناه فعلًا، وما كنا نظن أننا لا نستطيع العيش من دونه.

كنت أظن أن الحياة تسألني: ماذا تريد؟! 

ثم فهمت متأخرًا أنها تضعني أمام سؤال أعمق: ماذا تريد أن تصبح؟! 

والسؤالان ليسا واحدًا. فالأول يتجه نحو الأشياء التي نرغب في امتلاكها، والمواقع التي نطمح إلى بلوغها، والغايات التي نسعى إليها. أما الثاني، فيتجه نحو الإنسان الذي نصبحه ونحن نسعى إلى تلك الأشياء، ونحو ما تتركه اختياراتنا في أخلاقنا ووعينا ونظرتنا إلى أنفسنا والآخرين.

فقد يصل المرء إلى ما أراد، لكنه يكتشف في نهاية الطريق أنه تغيّر على نحو لم يكن يتمناه. وقد يخسر شيئًا سعى إليه طويلًا، ثم يكتشف أن الخسارة دفعته إلى مراجعة نفسه، وإعادة النظر في أولوياته، وفهم الحياة من زاوية أكثر اتساعًا.

وهنا تكمن إحدى الحقائق التي فهمتُها متأخرًا: ليست قيمة الرحلة فيما نصل إليه وحده، بل فيما نصير إليه ونحن نمضي. واليوم، لا أريد أن أنظر إلى طفولتي بعين الرجل الذي يعرف ما لم يكن الطفل يعرفه. أريد أن أراها كما كانت؛ ببراءتها، وأسئلتها، وأخطائها، وأحلامها الصغيرة، وخوفها من المجهول.

أريد أن أمنح ذلك الطفل حقه في أن يكون طفلًا، وأن أعترف بأن جهله لم يكن نقصًا يُلام عليه، بل كان جزءًا طبيعيًا من رحلة طويلة لم يكن يعرف عنها شيئًا.

فذلك الطفل لم يكن يملك إلا عمره، وكان عليه أن يعيشه بما لديه من فهم، وأن يتقدم في الحياة بالخطوات التي كانت متاحة له آنذاك.

ولم يكن يعرف أن الإنسان قد يمضي سنوات طويلة وهو يظن أنه يبحث عن مستقبله، ثم يكتشف، في لحظة صفاء متأخرة، أنه كان يبحث عن نفسه. وحين أتأمل الطريق الذي قطعته منذ غادرت جدة، أدرك أنني لم أكن أبحث عن الحياة وحدها، بل كنت أبحث عن معنى وجودي فيها؛ عن صورتي الحقيقية بعيدًا عن توقعات الآخرين، وعن القيم التي تستحق أن أتمسك بها، وعن الأشياء التي تستحق أن أمنحها من عمري، وعن الإنسان الذي أريد أن أكونه حين تهدأ ضوضاء الرحلة.

ولعل هذا ما يجعل العودة إلى البدايات ضرورية أحيانًا؛ لا لنستعيد ما مضى، ولا لنعيش أسرى الذكريات، بل لنتأمل المسافة التي قطعناها بين ما كنا نظنه عن الحياة، وما انتهينا إلى فهمه عنها.

فثمة أشياء لا نفهمها في وقتها، مهما بدت واضحة لمن ينظر إليها من الخارج. نحتاج إلى أعمارنا وتجاربنا، وإلى ما تتركه الأيام فينا، حتى نقرأها قراءةً مختلفة، ونكتشف أن المعنى كان حاضرًا منذ البداية، لكن وعينا لم يكن قد نضج بما يكفي لرؤيته.

لهذا، حين أتذكر جدة الأولى، لا أرى مدينةً غادرتها فحسب، ولا أستعيد سنوات مضت وانتهت؛ أرى البدايات التي صنعت شيئًا مني، والطفل الذي كان ينظر إلى العالم بدهشة، والشاب الذي غادر مدينته محمّلًا بالأسئلة، والرجل الذي تعلّم، بعد سنوات من التجربة، أن بعض الإجابات لا تأتي إلا حين نتوقف عن استعجالها.

لم أغادر جدة في التاسعة عشرة لأبحث عن الحياة فقط؛ كنت، دون أن أعرف، أبدأ رحلة البحث عن نفسي.

كانت تلك البداية؛ لا بداية الرحلة إلى مكان آخر، بل بداية الرحلة إليَّ!