بقلم- د. منيرة العمري
حين يُذكر اسم «جائزة أهالي المدينة المنورة للمعلم المتميز»، يسبق وقعُه في قلبي أيَّ حديث عن الإنجاز؛ فأنا ابنة هذه المدينة المباركة، فيها وُلدت، وفي رحابها نشأت، ومن نورها وقيمها نهلت. وكيف لا يكون للتعليم فيها مقامٌ رفيع، وهي التي استقبلت مصعب بن عمير رضي الله عنه معلِّمًا ومقرئًا قبل الهجرة، ثم تشرّفت بمُقام رسول الله ﷺ، وهو القائل: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا» (رواه مسلم). ومن هنا يكتسب تكريمُ المعلم على أيدي أهالي المدينة معنًى قريبًا من النفس؛ ففيه امتنانُ مجتمعٍ لمن يشاركون في تعليم أبنائه وصناعة مستقبلهم، وفيه مسؤوليةٌ تحفز المعلم على مواصلة العطاء.
واليوم، ونحن نحتفي بتكريم الفائزين والفائزات في الدورة الثانية من الجائزة، أستعيد تجربتي في دورتها الأولى، وما بعثته من تأمّل في رسالتي التربوية.
وإني لأشارك زملائي وزميلاتي فرحتهم، أدرك ما وراء هذه اللحظة من عمل دؤوب، وصبر طويل، ومحاولات متكررة، وتعلُّم لا ينقطع؛ فلكل تجربة متميزة تفاصيلُ قد لا تتسع لها منصة التكريم، لكنها تبقى حيّةً في أثر المعلم في نفوس طلابه.
لقد كانت مشاركتي تجربة ثرية، انطلقت فيها من يقيني بأن التعليم رسالة لا يقف أثرها عند حدود المعرفة، بل يمتد إلى شخصية الطالبة وقيمها ومهاراتها. وهي رسالة شرّفها الله إذ جعلها من أخصّ مهامّ نبيه ﷺ، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]، فقرن التزكيةَ بالتعليم، والقيمَ بالمعرفة.
كما أني قد واجهت عدة تحديات تجاوزتها بالإستعانة بالله تعالى؛ حريصةً على أن يترك كل عمل أقدّمه أثرًا ملموسًا، وأن يسهم، ولو بقدر يسير، في غرس مبادئ ديني، وخدمة وطني الغالي المملكة العربية السعودية، وتحقيق مستهدفات رؤيتها 2030.
وما كان القدر اليسير ليصغر في عيني، وأنا أستحضر قول النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (متفق عليه)؛ فالأثر الطيب في نفس طالبة واحدة كنزٌ لا يُقدَّر بثمن.
تعلمت من هذه التجربة عدة أمور :
1-أن التميز قد يبدأ بفكرة بسيطة تلبّي حاجة حقيقية، ثم تنمو بالعمل والمراجعة والمثابرة، وتلك سبيل الإتقان الذي قال فيه النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (رواه أبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان، وحسّنه الألباني).
2- عمّقت هذه التجربة وعيي بأهمية التوثيق وقياس الأثر؛ فحين يجمع المعلم شواهده، ويتأمل نتائج مبادراته، تتجلّى له مواطن القوة وفرص التحسين.
3-أكدت لي هذه التجربة أن التعاون وتبادل الخبرات يمنحان العمل عمقًا واستدامة، وهما من التعاون على البر الذي أمر الله به في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]؛ فوراء كثير من النجاحات فريقٌ يساند، وزميلٌ يشجّع، وبيئةٌ تتيح للفكرة أن تنمو وتزدهر.
وانطلاقًا من هذا الفهم، أقدّر لمؤسسة جائزة المدينة المنورة عنايتها بأثر المعلم في التعليم والمجتمع، وتشجيعها للتميز والابتكار؛ فإبراز التجارب التعليمية المتميزة يمنح أصحابها تقديرًا وعرفاناً، ويفتح لغيرهم بابًا للتعلّم والإفادة، ويجعل الممارسات الناجحة أقرب إلى التداول والتطوير.
ويعكس تكريم الدورة الثانية استمرارًا لهذا الوفاء، حيث يستشعر المعلم أن كلمات الشكر قد تحولت إلى تقدير ملموس يرى فيه اعتزاز مجتمعه برسالته وعلو قدرها؛ وكيف لا يُعلي المجتمع قدر المعلم، وقد قال النبي ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" (رواه الترمذي، وصححه الألباني)؛ وأرى في انطلاق الجائزة عبر دوراتها فرصةً متجددة لاكتشاف تجارب أهل لأن تُروى، وجهود أهل لأن تُعرف.
وإلى الفائزين والفائزات في الدورة الثانية أقول: هنيئًا لكم هذا التكريم، وهنيئًا لطلابكم وطالباتكم ما تغرسونه في نفوسهم من أثر. وللقائمين على مؤسسة جائزة المدينة المنورة صادق الشكر والتقدير على جهودهم في تنظيم هذا الاحتفاء، وعنايتهم بمكانة المعلم وإبراز عطائه؛ فشكرُ أهل المعروف من شكر الله، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (رواه أبو داود).
كما أني أحمل من تجربتي في الدورة الأولى مسؤوليةً أستشعرها كلما دخلت فصلي. وأؤمن بأن أجمل ما يبقى من التكريم ليس درعًا يُعلَّق ولا شهادةً تُحفظ، بل ما يدفعنا إليه من تطوير وعطاء، وما نجده بعد ذلك في طالبةٍ ازدادت ثقة، أو قيمةٍ ترسّخت، أو فكرةٍ فتحت أمامها أفقًا جديدًا. ذلك هو العلم الذي يبقى بعد أن يمضي صاحبه، مصداقًا لقول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (رواه مسلم). فأسأل الله أن يجعل ما نقدّمه لطلابنا وطالباتنا علمًا يُنتفع به، وأثرًا لا ينقطع.