بقلم : حمود بخيت الزهراني
ليست كل المبادرات الإنسانية مجرد خدمات تُقدَّم، ولا كل مواقف العطاء تُقاس بما توفره من احتياجات مادية؛ فهناك مبادرات تلامس جوهر الإنسان، وتمنحه شعورًا بأن الحياة لا تزال تحمل له فرصًا جديدة، وأن المرض مهما اشتدت وطأته لا ينبغي أن يكون حاجزًا أمام أحلامه أو سببًا في توقف مسيرته نحو المستقبل.
ومن هذا المنطلق، جاء اللقاء التعريفي الذي استضافه مجلس الشيخ عبدالله الحماد – رحمه الله – مساء يوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026م، للجمعية الخيرية لرعاية مرضى السرطان بالمنطقة الشرقية «ترابط»، ليؤكد أن العمل الخيري الحقيقي لا يتوقف عند حدود تقديم الرعاية الصحية أو توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى مساندة الإنسان في مختلف جوانب حياته، وحماية حقه في التعلم، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات بثقة وأمل.
لقد كان اللقاء مناسبة للتعريف برسالة «ترابط» الإنسانية، واستعراض ما تقدمه من برامج وخدمات نوعية لمرضى السرطان وأسرهم، كما أتاح مساحة لطرح مبادرات مجتمعية تعكس وعيًا متقدمًا بمفهوم المسؤولية الاجتماعية، وفي مقدمتها المبادرة التعليمية التي طرحها الأستاذ عبدالرحمن الحماد، والهادفة إلى تمكين الطلاب المصابين بالسرطان من مواصلة تعليمهم رغم الظروف الصحية التي تحول دون انتظامهم في مقاعد الدراسة.
من هنا تطلع جمعية «ترابط» بدور إنساني ومجتمعي مهم في مساندة مرضى السرطان بالمنطقة الشرقية، من خلال منظومة من الخدمات التي تستهدف تخفيف الأعباء عن المرضى وأسرهم، ومساعدتهم على تجاوز جانب من التحديات التي تفرضها رحلة العلاج.
والاعم ان الجمعية استعرضت أبرز برامجها وخدماتها، التي تشمل توفير السكن للمرضى، وتقديم العلاجات والأجهزة الطبية للمحتاجين مجانًا، بالتعاون مع مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، فضلًا عن شراكاتها مع الجهات الداعمة، بما يعزز التكامل في تقديم الرعاية وتوسيع نطاق الاستفادة من خدماتها.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للعمل الخيري؛ فهو ليس مجرد استجابة لاحتياج طارئ، بل مسؤولية مستمرة تتطلب فهمًا لظروف المرضى، وإدراكًا للأعباء التي تتحملها أسرهم، وحرصًا على توفير بيئة أكثر دعمًا وطمأنينة خلال مرحلة العلاج.
فالوقوف إلى جانب مريض السرطان لا يعني مساعدته على تجاوز احتياجاته اليومية فحسب، بل يعني أيضًا منحه الشعور بأنه ليس وحده في مواجهة ظروفه، وأن هناك مؤسسات وأفرادًا يؤمنون بحقه في الرعاية والكرامة وجودة الحياة.
ومن أبرز ما حمله اللقاء من دلالات إنسانية ، المبادرة التعليمية التي طرحها الأستاذ عبدالرحمن بن عبدالله الحماد، رئيس مجلس إدارة شركة الحماد للمشاريع التعليمية ، مستهدفة الطلاب المصابين بالسرطان والمقيمين في نزل الإسكان التابع للجمعية، ممن تحول ظروفهم الصحية دون انتظامهم في الدراسة الحضورية.
وتقوم المبادرة على تمكين هؤلاء الطلاب من مواصلة تعليمهم عن بُعد عبر المنصة التعليمية، بالتنسيق والتعاون مع الجهات التعليمية ذات العلاقة، بما يتيح لهم متابعة الحصص الدراسية والدروس والواجبات إلكترونيًا، مع توفير الدعم اللازم لاستمرار تحصيلهم العلمي وعدم انقطاعهم عن الدراسة بسبب المرض.
إن أهمية هذه المبادرة تتجاوز حدود التعليم الإلكتروني؛ فهي تعبر عن رؤية إنسانية تدرك أن الطالب المصاب بالسرطان لا يحتاج إلى العلاج وحده، بل يحتاج كذلك إلى الحفاظ على صلته بمدرسته، ومواصلة تعلمه، والشعور بأن مستقبله لا يزال مفتوحًا أمامه.
فالمرض قد يفرض على الطالب الابتعاد عن مقعد الدراسة، لكنه لا ينبغي أن يحرمه من حقه في التعليم، ولا أن يضع أحلامه على هامش الحياة. ومن هنا تبرز قيمة المبادرات التي تحول التحديات إلى فرص، وتمنح الطلاب إمكانية الاستمرار في مسيرتهم التعليمية بما يتناسب مع ظروفهم الصحية.
كما تحمل هذه الخطوة رسالة مهمة إلى المجتمع مفادها أن رعاية المرضى مسؤولية متكاملة، تتداخل فيها الجوانب الصحية والتعليمية والنفسية والاجتماعية، وأن نجاح المبادرات الإنسانية يقاس بقدرتها على تلبية الاحتياجات الحقيقية للإنسان، وصون حقوقه، ومساعدته على مواصلة حياته بأكبر قدر ممكن من الاستقرار والأمل.
وإذا ما وجدت المبادرة طريقها إلى التنفيذ بالتنسيق مع الجهات التعليمية المختصة، فإنها تمثل نموذجًا يستحق الاهتمام والتطوير، ويمكن أن يفتح المجال أمام مبادرات مماثلة تراعي احتياجات الطلاب الذين تحول ظروفهم الصحية دون الانتظام في الدراسة.
من هنا ، جاء طرح عبدالرحمن الحماد للمبادرة التعليمية ليؤكد أهمية توظيف الإمكانات المتاحة في خدمة الفئات الأكثر احتياجًا، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الخيرية والجهات التعليمية، وصولًا إلى حلول تستجيب لاحتياجات الطلاب المرضى، وتساعدهم على مواصلة تعليمهم دون أن تصبح ظروفهم الصحية عائقًا دائمًا أمام تقدمهم.
معبراً عن شكره وتقديره لجمعية «ترابط»، مشيدًا بجهودها الإنسانية وخدماتها النوعية في رعاية مرضى السرطان ومساندتهم، ومثمنًا ما يقدمه القائمون عليها ومنسوبوها من عطاء في تخفيف معاناة المرضى وتلبية احتياجاتهم.
وتعكس هذه الإشادة تقديرًا للعمل المؤسسي الذي تنهض به الجمعية، كما تؤكد أن نجاح العمل الخيري يحتاج إلى تكاتف الجهود، وتبادل الخبرات، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية، حتى تتحول المبادرات إلى أعمال مستدامة ذات أثر ملموس في حياة المستفيدين.
ويعكس انعقاد مثل هذه اللقاءات في المجالس الاجتماعية أهمية الدور الذي تؤديه في تعزيز التواصل بين المؤسسات الخيرية ومكونات المجتمع، والتعريف بالبرامج والمبادرات، وفتح آفاق جديدة للتعاون والشراكة.
فالمجالس التي تحتضن قضايا المجتمع وتمنحها مساحة من الاهتمام لا تؤدي دورًا اجتماعيًا فحسب، بل تسهم أيضًا في بناء جسور الثقة بين أصحاب المبادرات والجهات المستفيدة، وتدعم ثقافة المشاركة في المسؤولية الإنسانية.
آخر الكلام ..
صاحبي بالله ... لا تعـتب عليّه
العَـتـب ما عاد تاسَعه الحنايا..
حمود بخيت الزهراني
المنطقة الشرقية - الدمام
المملكة العربية السعودية