الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ اكتوبر-٢٠٢٦       3575

بقلم ـ معاذ الحجازي

ليس كل من اعتاد العشوائية يعيش فوضاه وحده فبعضهم يجعل الآخرين يدفعون ثمنها من أوقاتهم وأعصابهم وراحة بالهم .
ثمة أشخاص لا تعرف الفوضى طريقًا إلى مكاتبهم وأوراقهم فحسب بل تسكن مواعيدهم وتختبئ في وعودهم وتظهر في أحاديثهم وقراراتهم وترافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية .
أشخاص يعيشون بلا ترتيب واضح ولا يدركون أن ما يعدّونه أمرًا عابرًا أو بسيطًا قد يتحول إلى عبء ثقيل على كل من يتعامل معهم .
المشكلة ليست في أن ينسى الإنسان موعدًا أو يتأخر مرة أو يخطئ في ترتيب أولوياته فكلنا نخطئ وكلنا تمر بنا ظروف تربك حساباتنا ، إنما المشكلة حين تتحول العشوائية إلى أسلوب حياة والفوضى إلى طبع متكرر والتأخير إلى عادة والوعود إلى كلمات تُقال دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ ثم يُطلب من الآخرين أن يتفهموا ويتكيفوا وينتظروا وكأن أوقاتهم ومشاعرهم لا قيمة لها .
المؤلم في الفوضى أنها نادرًا ما تبقى محصورة في صاحبها فمن لا يحترم موعده لا يسرق دقائق الانتظار فحسب بل يربك جدول إنسان آخر ربما رتّب يومه كاملًا على ذلك اللقاء ومن لا يحسم قراره في وقته قد يعطل عمل فريق بأكمله ومن يغيّر كلامه كلما تغيّرت رغبته يترك الآخرين في دوامة من التوقعات والتعديلات والتبريرات ، أما من يخلط بين أولوياته ثم يطالب الجميع بالاستجابة العاجلة لكل ما يستجد في ذهنه فإنه ينقل ارتباكه إلى المحيطين به وكأن عليهم أن يعيشوا وفق إيقاعه المتقلب .
ولعل المثل الشعبي « اللي ما يعرف الصقر يشويه » يذكّرنا بأن بعض الناس لا يدركون قيمة ما بين أيديهم ومن ذلك قيمة الوقت والالتزام وهناك من يصدق عليه المثل القائل: « حبل الكذب قصير » إذ تبدأ الحكاية بوعد لا يُنفّذ ثم يتبعه عذر ثم وعد جديد حتى يفقد الكلام قيمته وتصبح الثقة هي الضحية .
وفي المقابل ثمة من يعتقد أن حسن النية يكفي لإعفاء صاحبه من مسؤولية الفوضى متناسيًا أن النيات الطيبة لا تصلح دائمًا ما تفسده التصرفات المرتبكة فليس كل من لم يقصد إزعاجك قد أعفاك من أثر إزعاجه وليس كل من اعتذر عن تكرار الخطأ قد تعلّم منه .
ولنتأمل مشهدًا يتكرر في البيوت ، شخص يتأخر عن موعد عائلي دون أن يخبر أحدًا فيظل الجميع ينتظرونه وتتغير خطط الأسرة بسببه ، وفي الصداقات تجد من يحدد موعدًا ثم يغيب أو يعتذر في اللحظة الأخيرة أو يترك رسائلك معلقة حتى تحتاج إلى ملاحقته لتعرف موقفه ، وفي بيئة العمل قد تكون الصورة أكثر قسوة مهمة لا تُنجز في وقتها وتوجيهات تتبدل دون وضوح وأولويات تتغير كل ساعة ثم يُسأل الموظف عن سبب التأخير وكأن الخلل لم يكن في سلسلة القرارات المرتبكة التي سبقته ، وهنا تكمن المفارقة قد يكون الشخص الفوضوي مقتنعًا بأنه يعيش بطريقته الخاصة لكنه لا ينتبه إلى أن الآخرين يدفعون من رصيدهم النفسي والعملي ثمنًا لا يخصهم وحدهم ، فكم من موظف استنزف جهده في إعادة عمل أنجزه سابقًا لأن القرار تغيّر دون تنسيق وكم من أب أو أم شعرا بالإحراج أمام الآخرين بسبب وعود لم يلتزم بها أحد أفراد الأسرة وكم من صداقة خفت وهجها لا بسبب خلاف كبير بل بسبب تراكم مواقف صغيرة أشعرت أحد الطرفين بأنه وحده من يحترم العلاقة ويحرص عليها .
إن احترام الوقت ليس ترفًا والترتيب ليس تعقيدا والوفاء بالكلمة ليس مثالية يصعب بلوغها ، إنها مظاهر أساسية من مظاهر احترام الإنسان لغيره ، وحين تقول لشخص إنك ستأتي في الساعة المحددة فأنت لا تحدد وقتًا فحسب بل تمنحه حق بناء يومه على وعدك وحين تلتزم بما اتفقت عليه فإنك لا تنجز مهمة فحسب بل تؤكد أن كلمتك محل ثقة وحين تعجز عن الوفاء بالتزامك فإن إبلاغ الطرف الآخر مبكرًا ليس منّة منك بل مسؤولية أخلاقية تفرضها العلاقة بينكما ولا يعني ذلك أن الحياة ينبغي أن تسير بصرامة لا تقبل الاستثناء أو أن كل تأخير دليل على سوء الخلق أو أن الإنسان مطالب بأن يكون كاملًا في كل شيء فهناك ظروف طارئة وأعذار قاهرة وأيام لا تسير كما نشتهي لكن الفارق كبير بين من يربكه ظرف طارئ فيعتذر ويعالج أثره وبين من يجعل الآخرين أسرى لفوضاه ثم يتصرف وكأن الأمر طبيعي بل قد يستغرب انزعاجهم حين يطالبونه بالوضوح والالتزام والأشد إرهاقًا أن بعض أصحاب الفوضى لا يكتفون بعدم التنظيم بل يتوقعون من الآخرين أن يكونوا منظمين نيابة عنهم ، أن يتذكروا مواعيدهم ويتابعوا أعمالهم ويذكّروهم بوعودهم ويصححوا أخطاءهم ويحتووا تقصيرهم ثم يبدوا متفهمين كل مرة ومع مرور الوقت يتحول الشخص المنظم إلى ما يشبه رجل الإطفاء يقضي يومه في إخماد حرائق لم يشعلها وإصلاح أخطاء لم يرتكبها وترميم خطط لم يكن هو من أربكها وهذا ما يجعل التعامل مع الفوضى المستمرة مرهقًا إلى حد بعيد لأن التعب لا يأتي من الموقف الواحد بل من تكراره ومن الحاجة الدائمة إلى التوقع والاستدراك والتذكير ،
إنك لا تتعامل مع موعد فائت فقط بل مع احتمال أن يفوت الموعد التالي أيضا ولا تنتظر إجابة عن سؤال واحد بل تستعد لاحتمال أن تتغير الإجابة بعد صدورها وهكذا يعيش الطرف الآخر في حالة تأهب مستمرة تستهلك من هدوئه أكثر مما تستهلك من وقته .
ومن الإنصاف أن ندرك أن التنظيم مهارة يمكن تعلمها وأن بعض الناس يحتاجون إلى وسائل تساعدهم على ترتيب شؤونهم أو إلى من يوضح لهم أثر سلوكهم لكن المساعدة شيء وتحمل مسؤولية حياة شخص آخر نيابة عنه شيء مختلف تماما فليس من العدل أن يتحول صبر الآخرين إلى مبرر لاستمرار التقصير ولا أن يُفهم تسامحهم على أنه قبول دائم بالفوضى ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من الاعتراف بأن العشوائية ليست دائمًا شأنًا شخصيا فمن حق الإنسان أن يرتب حياته بالطريقة التي تناسبه ما دام أثرها لا يتجاوز حدوده أما حين تصبح قراراته ووعوده وتأخيره مصدرًا متكررًا لتعطيل الآخرين فإن المسألة تتحول من حرية شخصية إلى مسؤولية مشتركة .
وفي البيوت نحتاج إلى أن نعلّم أبناءنا أن احترام المواعيد احترام لمن ينتظرهم كذلك في الصداقات نحتاج إلى أن نفهم أن الود لا يعفي من الالتزام وأن المحبة لا تعني أن يبقى أحد الطرفين متاحًا دائمًا لتعويض تقصير الآخر وفي مؤسسات العمل نحتاج إلى وضوح في التكليف وترتيب في الأولويات وثبات في القرارات ومحاسبة عادلة لا تحمّل المنفذ تبعات الارتباك الذي لم يصنعه .
وإن أكثر ما يكشف احترام الإنسان للآخرين ليس ما يقوله عنهم بل مقدار ما يراعيه من وقتهم وجهدهم وحقهم في الوضوح فالفوضى قد تبدأ بورقة في غير مكانها أو موعد لا يُحترم أو وعد مؤجل لكنها حين تصبح منهجًا في التعامل تتحول إلى عبء يتقاسمه الجميع بينما يظل صاحبها أقل الناس شعورًا بثقله .
وفي النهاية لسنا بحاجة إلى أشخاص لا يخطئون ولا إلى حياة تخلو من المفاجآت ، نحن بحاجة إلى أشخاص يعرفون أن لأفعالهم أثرا وأن للآخرين حقوقًا وأن الاعتذار لا تكتمل قيمته إلا بمحاولة صادقة لتصحيح الخطأ .
فرتّبوا مواعيدكم كما تحرصون على ترتيب مصالحكم واضبطوا وعودكم كما تحرصون على انتقاء كلماتكم ولا تجعلوا من حولكم يدفعون ثمن ارتباككم في كل مرة فليست المشكلة أن يعيش الإنسان في فوضى بل المشكلة أن يطالب الآخرين بأن يعيشوا داخلها معه ثم يلومهم إذا تعبوا .