الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ اكتوبر-٢٠٢٦       2035

بقلم : د. غالب محمد طه

السفر والارتحال في دواوين الشعر رحلة جميلة ماتعة، في أضابيرها قصص وحكايات، وكثير من الوعظ والتجارب. وذات يوم وجدت نفسي في قلب هذه الرحلة، أرافق قيس بن الملوح، مجنون ليلى، وأقف معه على أطلال ديارها. كان يحدّق في المكان كأن ليلى ما زالت تسكنه، ثم التفت إليّ وقال:

أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى

أُقَبِّلُ ذَا الجِدَارَ وَذَا الجِدَارَا

وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي

وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا

وقبل أن أفارقه، صادفت المتنبي متجوّلًا في العرصات، فنظر إليّ وأنشد:

لِعَيْنَيْكِ مَا يَلْقَى الفُؤَادُ وَمَا لَقِي

وَلِلْحُبِّ مَا لَمْ يَبْقَ مِنِّي وَمَا بَقِي

وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْعِشْقُ قَلْبَهُ

وَلَكِنْ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ

ما أمتع الترحال وأنت تتأنّق للحديث عن عنترة.

رأيته واقفًا، وبين يديه صليل السيوف، فسمعته يقول:

وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ

مِنِّي وَبِيضُ الْهِنْدِ تَقْطُرُ مِنْ دَمِي

فَوَدِدْتُ تَقْبِيلَ السُّيُوفِ لِأَنَّهَا

لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ الْمُتَبَسِّمِ

تركت عنترة ومضيت.

اعذرني يا معن بن زائدة إن دخلت مجلسك دون استئذان، فقد ملك زمام قلبي ذلك الحوار الباهر.

كان معن من أشهر من ضُرب بهم المثل في الكرم والحلم، وتُروى عنه حكايات كثيرة جعلت اسمه حاضرًا في كتب الأدب كلما ذُكر الحلم وسعة الصدر.

ويُحكى أن أعرابيًا قدم إليه يومًا، لا لطلب حاجة فحسب، بل ليمتحن حلم الأمير.

وقف بين يديه وقال:

أتذكر إذ لحافك جلد شاة

وإذ نعلاك من جلد البعير؟

لم يتغير وجه معن، وقال:

»أذكر ذلك ولا أنساه. «

ثم قال الأعرابي:

فسبحان الذي أعطاك ملكًا

وعلمك الجلوس على السرير

فقال معن:

»سبحانه على كل حال. «

ثم قال:

فلست مسلمًا إن عشت دهرًا

على معنٍ بتسليم الأمير

فقال معن:

»السلام سنة، تأتي بها كيف شئت. «

ثم قال:

سأرحل عن بلاد أنت فيها

ولو جار الزمان على الفقير

فقال معن:

»إن جاورتنا فمرحبًا، وإن رحلت فمصحوب بالسلام. «

ثم قال الأعرابي:

فَجُدْ لي يا ابنَ ناقصةٍ بشيءٍ

فإني قد عزمتُ على المسير

فقال معن:

»أعطوه ألف دينار«

فلما قال:

قليل ما أتيت به وإني

لأطمع منك بالمال الكثير

قال معن:

»أعطوه ألفًا أخرى«

ثم قال الأعرابي وقد تبدّل كلامه:

سألت الله أن يبقيك ذخرًا

فما لك في البرية من نظير

فقال معن:

»من أعطيناه على هجائنا ألفين، فأعطوه على مديحنا أربعة آلاف. «

خرج الأعرابي وقد امتلأت يداه، وبقي معن كما هو.

كان يبحث عن موضع في حلم الأمير يضع فيه قدمه، فوجد أن حلم الرجل أوسع من أن يضيّقه بيت شعر.

ومضيت.

وفي الطريق صادفت إدريس جماع، فسمعته يقول:

السيفُ في الغمدِ لا تُخشى مضاربهُ

وسيفُ عينيكِ في الحالينِ بتّارُ

ابتسمت.

حتى السيوف في دواوين الشعراء لها نصيب من الحب.

ثم وجدت الفيتوري. في حضرة من أهوى، عبثت بي الأشواق، وحدّقت بلا وجه، ورقصت بلا ساق، وزحمت رحاب الكون، ثم سمعته يقول:

في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق

حدقت بلا وجه

ورقصت بلا ساق

وزحمت براياتي وطبولي الآفاق

ومضيت أكثر، فإذا بي أمام غازي القصيبي.

كان الزمن قد تغير، لكن تعب المسافر لم يتغير.

التفت إليّ وقال:

نَعِبَتْ مِنَ التَّرْحَالِ أَسْفَارِي

وَأَنْهَكَنِي السُّرَى

فَأَجَأْتُ أَعْضَائِي إِلَى بَيْتٍ

زُجَاجِيِّ الرُّؤَى

توقفت قليلًا.

كان في صوته شيء من المسافر الذي قطع طريقًا طويلًا، ثم عاد يبحث في ذاكرته عن وجه الأيام.

ثم تسللت إلى مسامعي أبيات روضة الحاج:

كُلُّ الَّذِينَ نُحِبُّهُمْ نَشْتَاقُهُمْ

فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ وَفِي كُلِّ انْتِبَاهَةٍ

يَا أَيُّهَا الرَّاحِلُونَ فِي دَمِنَا

لَا تَتْرُكُونَا لِلْمَسَافَاتِ الْبَكْمَاءْ

أدركت أن الشعر لا يسافر بنا بين المدن والقرون فقط؛ أحيانًا يأخذنا إلى الذين غادروا، ويتركنا واقفين أمام أبواب الذاكرة.

ومضيت.

حتى وجدت نفسي في القاهرة، في صالون أحمد شوقي.

كان يجلس بهيبته المعهودة، يرتدي طربوشه، ويعدل نظارته، ثم ألقى عليّ بصوت جهوري:

وُلِدَ الْهُدَى فَالْكَائِنَاتُ ضِيَاءُ

وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ

خرجت من مجلسه منتشيًا.

ولم أملك إلا أن أجاريه، فقلت:

وَتَعَطَّلَتْ لُغَةُ الْكَلَامِ وَخَاطَبَتْ

عَيْنَيَّ فِي لُغَةِ الْهَوَى عَيْنَاكِ

ثم خرجت.

وفي أحد أروقة مصر، سمعت البوصيري يهمس لي، ثم أنشد:

مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ

وَالْفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ

جاشت نفسي بالوجد، ويممت وجهي إلى مجلس الإمام الشافعي، بين كتبه وتلاميذه.

رأيته يفيض وقارًا وعلمًا، ثم قال:

يَا آلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ حُبُّكُمُ

فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ أَنْزَلَهُ

كَفَاكُمْ مِنْ عَظِيمِ الْفَخْرِ أَنَّكُمُ

مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ

ثم مضيت.

كان الطريق يقودني إلى المدينة المنورة.

هناك، في المسجد النبوي الشريف، رأيت حسان بن ثابت ينشد في حضرته ﷺ:

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي

وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ

كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

وفي ناحية من المكان، لمحت كعب بن زهير، وقد جاء يرجو الأمان والعفو، حتى وقف بين يديه ﷺ وأنشد رائعته «بانت سعاد»:

بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ

مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفَدْ مَكْبُولُ

وحين بلغ قوله:

إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ

مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ

شعرت أن الخوف الذي جاء به بدأ يتراجع، وأن الكلمة كانت بابًا للعفو.

أحسست بالطمأنينة تسري في جسدي، ومسحت أدمعي، وهممت بالعودة إلى دياري.

وقبل أن أهمّ بفتح باب المنزل، سمعت من ينادي باسمي.

فالتفتُّ.

رأيت وجه لبيد بن ربيعة قبل أن يغيب في عتمة الليل، وهو يقول:

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ

وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

ثم غاب.