الكاتب :
التاريخ: ٠٩ اكتوبر-٢٠٢٦       2530

بقلم ـ شفق السريّع 

لم يكن تعيين الأستاذ أحمد السلطان رئيسًا لمجلس إدارة شركة نادي النصر خبرًا عابرًا في مدرج اعتاد أن يتعامل مع كل تغيير إداري بوصفه بداية مرحلة جديدة، و ربما فرصة أخيرة لاستعادة ما يتطلع إليه من أمجاد.. فما إن أُعلن القرار حتى انقسم الجمهور بين مؤيد يرى في سيرته المهنية و خبرته في إدارة الكيانات التجارية ما يستحق التفاؤل، و بين معارض يستند إلى ما يُتداول عن ميوله الهلالية، لتبدأ حالة من الارتباك، و كأن هوية الرئيس أهم من النتائج التي سيصنعها!

 

و هنا تحديدًا تكمن المشكلة.. فالنصر لا يحتاج إلى محاكمة رئيسه الجديد بناءً على الانطباعات، و لا إلى منحه صك النجاح قبل أن يبدأ.. بل يحتاج إلى قراءة واقعية لما يملكه من خبرة.. ثم مراقبة ما سيقدمه من عمل.. فالسيرة المهنية تُقرأ بالأرقام و التجارب و الإنجازات.. أما الميول المتداولة فلا ينبغي أن تتحول إلى حكم مسبق، ما لم يكن هناك ما يثبت تأثيرها في القرارات و المصالح..

 

العقلانيون ينظرون إلى الاختيار من زاوية الخبرة و القدرة على الإدارة.. فيما ينطلق العاطفيون من هواجسهم و مخاوفهم، و كلا الطرفين يملك حق التساؤل.. لكن الفارق أن الأول ينتظر النتائج، بينما قد يصدر الثاني حكمه قبل أن تبدأ التجربة.. و النصر في هذه المرحلة لا يحتمل أن تتحول كل خطوة إدارية إلى معركة بين الظنون و الحقائق..

 

و اللافت أن السلطان بدأ مرحلته بمصافحة موفقة لجماهير النصر، من خلال تغريدة رسم فيها ملامح مشروعه.. و حدد خمسة أهداف بدت أقرب إلى خارطة طريق منها إلى عبارات بروتوكولية:

 

● نصر قوي داخل الملعب

● نصر قوي خارج الملعب

● نصر حاضر في المنافسات

● نصر مستقر في عمله

● نجاحات مستدامة

 

هذه الأهداف الخمسة ليست مجرد عناوين جميلة تصلح للتداول في منصات التواصل.. بل هي التزامات معنوية ستتحول مع مرور الوقت إلى معايير يحاسب الجمهور الرئيس الجديد على أساسها.. فالقوة داخل الملعب تحتاج إلى عمل فني و تخطيط و استقطابات مدروسة،.. و القوة خارجه تحتاج إلى إدارة مالية و تجارية فعالة.. و الاستقرار يحتاج إلى وضوح في المسؤوليات.. أما الاستدامة فلا تصنعها القرارات الآنية، بل الرؤية طويلة المدى..

 

ومن هنا، فإن نجاح السلطان لن يُقاس بجمال التغريدة، بل بقدرته على تحويل كلماتها إلى واقع ملموس.. فالجمهور النصراوي سمع كثيرًا من الوعود، و لم يعد يبحث عن خطاب يلامس عاطفته بقدر ما يبحث عن مشروع يطمئن إليه، و يرى آثاره في أداء الفريق واستقرار النادي وقدرته على المنافسة..

 

أما حديث التعاون مع اللجنة التنفيذية، فيحمل دلالة مهمة؛ إذ يمنح انطباعًا بأن المرحلة قد تقوم على التشاور و الشراكة و تكامل الأدوار، لا على القرارات الفردية.. و هذه نقطة تستحق الاهتمام، لأن الأندية الكبيرة لا تُدار بالاجتهادات الشخصية وحدها، و إنما بمنظومة تتكامل فيها الخبرات.. و تتضح فيها الصلاحيات، و تُقاس فيها المسؤوليات بالنتائج..

 

ويبقى التحدي الأكبر أن السلطان لم يأتِ إلى مدرج متفق على رؤيته، بل إلى مدرج أنهكته الانقسامات.. و أصبح بعض أفراده يستقبلون كل اسم جديد بالشك قبل أن يمنحوه فرصة العمل.. وهذا واقع يفرض على الرئيس الجديد أن يدرك حساسية المرحلة، و أن يتعامل مع الجمهور بصبر و وضوح، دون أن يجعل إرضاء الجميع غايته الأولى؛ فذلك أمر لا يتحقق في الغالب..

 

و عليه ألا ينشغل بكل صوت معارض، ولا أن يدخل في سجالات تستنزف وقته و طاقته.. لكنه في المقابل لا ينبغي أن يتجاهل النقد الموضوعي أو أن يعتبر كل اختلاف استهدافًا.. فهناك فرق بين من ينتقد بحثًا عن مصلحة النصر، ومن يحكم على التجربة قبل أن تبدأ. الأول شريك في تصحيح المسار، و الثاني لن يغير موقفه الذي اعتاد عليه..

 

أحمد السلطان لا يحتاج إلى إثبات نصراويته بالشعارات، بل إلى إثبات قدرته بالعمل.. و لا يحتاج الجمهور إلى أن يقتنع به اليوم بقدر ما يحتاج إلى أن يرى غدًا ما يدعوه إلى الاقتناع.. فالانتماء الذي يُتداول عنه ليس هو القضية التي ستحدد مستقبل النصر؛ القضية الحقيقية هي ما إذا كانت قراراته ستخدم النادي.. و هل سيملك الشجاعة لتصحيح الأخطاء.. و القدرة على بناء فريق ينافس.. و الإصرار على تأسيس منظومة مستقرة لا تتبدل بتبدل الظروف..

 

و لأن الأمنيات النصراوية كبيرة، فإن تحقيقها لا يبدأ بالمطالبة بالبطولات وحدها، بل بإيجاد أسبابها.. كعمل فني متكامل، و استقرار إداري، و تخطيط مالي، و قرارات مدروسة، و محاسبة لا تستثني أحدًا.. فالبطولات لا تأتي بالرغبات، و إنما بمنظومة تعرف ماذا تريد، و كيف تصل إليه، و من المسؤول عن كل خطوة في الطريق..

 

في النهاية، النصر أكبر من اسم رئيس، و أكبر من شائعة ميول، و أكبر من معركة مؤيد و معارض.. و السلطان اليوم على المحك.. فإن نجح، فسيجد أن المدرج الذي استقبله منقسمًا قادر على الالتفاف حول كل مشروع يعيد فريقه..

@k_20_30