الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ اكتوبر-٢٠٢٦       1595

بقلم : الكاتبة الجزائرية مريم عرجون

كسيح أنا في برية الله كالميتين، احمل قلما ارخى حروفه، و تطايرت في اوراقي سرب الكلمات، فكانت لي الكتابة جنَاية القول في تيه المدن، لأنها كانت ريفا من الكلمات المُهْتَرِئة، ترمم رفات قبر دفينا بين أكداس الكتب، فلا أبالي من رحَلَ اليوم ومن سيأتي غدا، كل هذا وأنا والقلم لم نتجاوز عتبة الورق نفكر في عطل مصعدٍ بمكتبةٍ لا مصعد لها، و بين مكتبةٍ لا مصعد لها وذاكرةٍ لا تُكتب يموت هذا الوطن مرتين، موتٌ لا تُشيّعه الجنائز، ولا تُفتح له القبور، ولا تُرفع فيه راياتُ الحداد، و موتٌ يحدث كلّ يوم، بصمتٍ يكاد يكون أشدّ قسوةً من الموت نفسه، إنّه موتُ الذاكرة، كلّ يومٍ ترحل قامةٌ من قامات هذا الوطن، رجلٌ حمل في صدره حكايةً من حكايات الجزائر، أو امرأةٌ خبّأت في ذاكرتها فصلًا من تاريخها، أو مجاهدٌ بقيت في صمته تفاصيلُ معركة، أو باحثٌ أفنى عمره بين الكتب والمخطوطات، أو عالمٌ قضى حياته يبحث عمّا ينفع الناس، ثم يمضي، وتمضي معه أشياء لا يستطيع الأحياء استعادتها وفي الجهة الأخرى، تجلس أقلامٌ كثيرة لا تكتب، أقلامٌ تعرف كيف تملأ الصفحات بالحكايات التي تُسلّي، وكيف تصنع من الوهم رواية، ومن العاطفة كتابًا، ومن الفراغ مجلدًا، لكنها حين يقف أمامها رجلٌ صنع شيئًا لهذا الوطن، أو امرأةٌ حملت علمه في زمنٍ لم يكن حملُ العلم فيه نزهةً، أو باحثٌ أفنى عمره في العلم، تصمت، كأنّ الوطن لا يستحق أن يُكتب، كأنّ أبطاله لا يستحقون أن تتحول سيرهم إلى أدب، كأنّ الذاكرة الوطنية وظيفةُ الأرشيف وحده، لا وظيفةُ الكاتب.

ولستُ ضد الرواية، ولا ضد الأدب الذي يمنح الإنسان فسحةً من الحلم، لكنني أسأل: هل يكفي أن نترك للأجيال القادمة رواياتٍ تُغني خيالها، ولا نترك لها كتبًا تُغني معرفتها؟ ماذا ترك لنا الذين سبقونا؟

تركوا لنا أسماءً محفورةً في الكتب، وسيرًا لم تمت بموت أصحابها، وشهاداتٍ حفظت للثورات رجالها، وللعلماء مقامهم، وللمفكرين أثرهم، كانوا يعرفون أن الإنسان يموت، لكن الكلمة تستطيع أن تمنحه حياةً أخرى، ولعلّ أجمل ما يكشف الفرق بين زمنٍ كان القلم فيه يحمل مسؤوليةً تجاه وطنه، وزمنٍ باتت فيه أقلامٌ كثيرة تنشغل بالعابر، أن نعود قليلًا إلى الجزائر حين كانت النهضة تُكتب بالكلمة، وتُبنى بالتعليم، وتُحفظ باللغة، ويُستعاد بها التراث، وتُرى في الصحافة والفن، منذ أن فتحت الجزائر عينيها على مطلع القرن العشرين، لم يكن الصمت قدرًا، ولم تكن الذاكرة أرضًا مهجورة تنتظر من يوقظها، كان في هذا الوطن رجالٌ رأوا أن الأمة التي تفقد لغتها، تفقد شيئًا من روحها، وأن التي تُطفئ مدارسها، تُطفئ مصابيح مستقبلها، وأن التراث إذا تُرك للغبار، تحوّل التاريخ في أيدي أبنائه إلى شيء يشبه النسيان، ومن هنا بدأ أولئك الذين لم يرضوا أن تكون الجزائر مجرد أرضٍ تُحكم، بل أرادوها أرضًا تفكر، وتتعلم، وتكتب، وتتذكر، كان عبد القادر المجاوي واحدًا من أوائل الذين حملوا مشعل التعليم والإصلاح، فدخل إلى فضاء المعرفة لا بوصفها ترفًا، بل بوصفها طريقًا لاسترداد الإنسان لوعيه، وفي زمنٍ كانت فيه المدرسة أكثر من جدران، والكتاب أكثر من أوراق، أصبح التعليم فعلًا من أفعال المقاومة الفكرية، لأن الأمة التي تتعلم، تبدأ في استعادة قدرتها على النظر إلى نفسها، ثم جاء عبد الحليم بن سماية، فكانت اللغة العربية في مشروعه أكثر من لغةٍ للكلام، كانت وعاءً للهوية وذاكرةً لا ينبغي أن تنقطع عن أصحابها، دافع عن تعليمها، وعن حق الإنسان الجزائري في أن يتعلم بلغته، وكأن الحروف نفسها كانت تسترد مكانها في وطنٍ حاولت العواصف أن تفصل بينه وبين لسانه، وفي ناحية أخرى، كان محمد بن أبي شنب يفتح للتراث أبوابه، عالمًا وأديبًا ومؤرخًا، ينقّب في الذاكرة لا ليعيدها إلى الماضي، بل ليمنح الحاضر جذوره، فالأمم لا تبني وعيها مما يُقال عنها فقط، وإنما مما تعرفه عن نفسها، ومن لا يقرأ تراثه، يترك الآخرين يكتبون تاريخه نيابةً عنه، ثم جاء عمر راسم، فخرجت النهضة من صفحات الكتب إلى فضاء الصحافة والفن، كان القلم عنده لا يكتفي بأن يكتب، والريشة لا تكتفي بأن ترسم، كلاهما كان يبحث عن الجزائر التي تستحق أن تُرى، وأن تُروى، وأن تجد صورتها في مرآة أبنائها، فكانت الصحافة صوتًا، وكان الرسم ذاكرةً بصرية، وكان الإصلاح يتخذ من الكلمة والصورة طريقًا آخر إلى الوعي، وهكذا لم تكن تلك الأسماء صفحاتٍ منفصلة في كتاب واحد، بل كانت حلقاتٍ في سلسلة واحدة، المجاوي يوقظ التعليم، وابن سماية يحرس اللغة، وابن أبي شنب يستنقذ التراث، وعمر راسم يمنح النهضة قلمًا وريشة من المدرسة بدأت الخطوة، ومن اللغة استقام اللسان، ومن التراث عادت الذاكرة، ومن الصحافة والفن اتسعت صورة الوطن، ولم تكن النهضة يومها صخبًا يطلب التصفيق، بل عملًا هادئًا كان يُنجز في زمنٍ يعرف قيمة الكلمة، ولذلك بقي أثر أولئك الرجال بعد أن غابت أصواتهم، تركوا لنا مدارس الفكر، وكتب التراث، وصفحات الصحافة، وملامح الفن، وتركوا سؤالًا لا يزال مفتوحًا أمام كل قلم جاء بعدهم، ماذا سنترك نحن، حين نصبح نحن أيضًا جزءًا من الماضي؟

فالأوطان لا تحفظ أبناءها بكثرة ما قيل فيهم، وإنما بما يتركونه من أثرٍ يمنع أسماءهم من العبور إلى النسيان، ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للنهضة الجزائرية، لا من الأسماء وحدها، بل من أولئك الذين آمنوا أن الكلمة يمكن أن توقظ عقلًا، وأن الكتاب يمكن أن يحفظ أمة، وأن الفن يستطيع أن يمنح الذاكرة وجهًا، وأن القلم حين يكون في يد صاحبه مسؤولية، لا يعود مجرد قلم، لقد رحل الرواد، وبقيت آثارهم تسألنا أين أقلامنا اليوم؟ وماذا نكتب عن الذين يصنعون الجزائر ثم يرحلون بصمت، أما نحن، فما الذي سنتركه؟

كم قامةٍ وطنيةٍ ستغادر هذا العالم دون أن تجد قلمًا يجلس إلى جوارها؟ كم شاهدٍ سيموت وفي صدره قصةٌ لو كُتبت لأصبحت وثيقة؟ كم باحثٍ سيُطوى اسمه مع أوراقه؟ كم مجاهدٍ سيأخذه التراب قبل أن يسأله أحد: ماذا رأيت؟ ماذا عرفت؟ ماذا حدث؟

وكم من عبقريٍّ عاش بيننا، ثم اكتشفنا قيمته بعد أن أصبح اسمه ماضيًا.

لقد كان الأدب في أزمنةٍ كثيرة أكثر من ترفٍ لغوي، كان ذاكرةً للأمم، وكان الشعر في الجزائر نفسها شاهدًا على الثورة وبطولاتها، يحمل تفاصيل المعارك والمجازر ويُبقي ما عاشه الناس حاضرًا في الذاكرة، فأين نحن من ذلك الدور؟ أين القلم الذي يرى في الرجل الذي يجلس أمامه كتابًا حيًّا؟ أين الكاتب الذي يشعر أن موت شاهدٍ بلا شهادةٍ مكتوبة هو صفحةٌ تُنتزع من تاريخ وطن؟

إنّ الوطن لا يحتاج دائمًا إلى قصيدةٍ جديدة، بقدر ما يحتاج أحيانًا إلى أن نفتح دفترًا قديمًا ونكتب فيه اسم رجلٍ كاد النسيان أن يبتلعه، لا يحتاج دائمًا إلى بطلٍ من الخيال، ففي واقعه من الأبطال ما يكفي لملء مكتبة، ولا يحتاج إلى أن نخترع له أمجادًا، يكفي أن نبحث عن أمجاده التي لم تجد من يرويها، إنّ أخطر ما يمكن أن تفعله أمةٌ بذاكرتها ليس أن تنساها عمدًا، بل أن تملك القدرة على حفظها ثم لا تفعل، القلم الذي لا ينحني أمام الحقيقة، ماذا يفعل بكل هذا الحبر؟ والكاتب الذي لا يرى في الراحلين مادةً للوفاء، ماذا سيكتب حين يفرغ من كل ما هو عابر؟ لسنا بحاجة إلى أقلامٍ كثيرة فقط، نحن بحاجة إلى أقلامٍ يقظة، أقلامٍ تعرف أن الكتاب ليس ورقًا، وأن السيرة ليست مديحًا، وأن توثيق حياة رجلٍ أو امرأةٍ من أبناء هذا الوطن ليس مجاملةً لشخص، بل أداءٌ لواجب تجاه التاريخ، فليست المشكلة أن قامات الوطن ترحل، فالموت حقٌّ على الجميع، المشكلة أن ترحل القامات، وترحل معها شهاداتها، بينما تبقى أقلامنا نائمة، وفي يومٍ ما سيأتي جيلٌ يسألنا مَن كانوا؟ ماذا فعلوا؟ أين كتبتم عنهم؟ ماذا تركتم لنا منهم؟

وحينها لن تنفعنا كثرة الكتب التي ملأت الأسواق، إذا كانت الصفحات قد ازدحمت بحكايات النور المكسور في كتب مقفرة، بينما بقيت الحقيقة واقفةً عند أبواب النسيان، فاستيقظوا أيها الكتّاب قبل أن يصبح الصمتُ تاريخًا، واكتبوا عن الذين ما زالوا بيننا، اسألوا الشهود قبل أن يصيروا صورًا، اقتربوا من الباحثين قبل أن تُغلق دفاترهم، اكتبوا عن العلماء قبل أن تصبح مكتباتهم بلا أصحاب، اكتبوا عن الذين حملوا هذا الوطن في أعمارهم، قبل أن نحمله نحن في كلمات التأبين، فبعض الناس لا يحتاجون إلى تمثال، يكفيهم كتاب، وبعض الذين رحلوا لا يحتاجون إلى بكاءٍ طويل، كانوا يحتاجون إلى قلمٍ واحدٍ فقط، قلمٍ لم ينم، لكن سكينة القلم، وسكينة العقول، وسكينة الكتب المهجورة، التي تنهش اللامبالاة مفاصلها من غير رحمة، وتجزّ الذاكرة ببرودة أعصاب، كنشوة الجزار الذي يتسلى بأضاحيه؛ فمتى سنرفع رايات المحتمل المرفوعة على الصواري؟