الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ اكتوبر-٢٠٢٦       2750

وائل سعود العتيبي ـ النهار 

يفتح برنامج جمعية آداب وفنون السرد «نالا»، الاثنين المقبل 12 أكتوبر، سؤالًا نقديًا يتصل بواحدة من أكثر المناطق التباسًا في الرواية: تلك المسافة الفاصلة بين حياة الكاتب وحياة النص، وبين التجربة التي عاشها المبدع والعالم الذي يعيد تشكيله التخييل. ويأتي ذلك من خلال محاضرة «سيرذاتية الرواية السعودية» التي يقدمها أستاذ الأدب والنقد الدكتور صالح معيض الغامدي، وتديرها الدكتورة دخنة بنت علي العمري، على مسرح مركز سرد الثقافي.

وتأتي المحاضرة ضمن الاحتفاء باليوم العالمي للرواية العربية، لكنها تتجاوز الاحتفاء بالرواية بوصفها جنسًا أدبيًا إلى مساءلة الطريقة التي نقرأ بها النصوص، خصوصًا حين تتقاطع عوالمها مع تجارب مؤلفيها، فتتشابه الأمكنة والأزمنة، وتحضر الذاكرة الشخصية، أو تتقاطع بعض الوقائع الروائية مع محطات في حياة الكاتب.

ومن هنا يبرز السؤال الذي تمنحه «نالا» مساحة للنقاش: هل يمكن قراءة الرواية من خلال سيرة مؤلفها؟ وهل يمثل التشابه بين حياة الكاتب وشخصياته دليلًا على سيرذاتية النص، أم أن الرواية تظل عالمًا مستقلًا يعيد فيه التخييل صياغة التجربة وتغيير دلالاتها؟

بين الكاتب وشخصياته

يكتسب موضوع اللقاء خصوصيته من المسار النقدي للدكتور صالح معيض الغامدي في دراسة السيرة الذاتية والأدب الذاتي وعلاقتهما بالأجناس السردية. ففي بحثه «سيرذاتية الرواية العربية السعودية»، الذي قدمه في ندوة الرواية المصاحبة للمؤتمر السابع لرؤساء الأندية الأدبية في القصيم، ناقش ما وصفه بـ«المنهج السيرذاتي» في قراءة الرواية السعودية؛ أي الميل إلى قراءة بعض الأعمال الروائية في ضوء سيرة مؤلفيها، والنظر إلى الشخصيات والأحداث باعتبارها امتدادًا مباشرًا لحياتهم.

ويرصد هذا المنظور عددًا من المؤشرات التي قد تدفع القارئ إلى استحضار سيرة الكاتب، من بينها حضور ضمير المتكلم، وتشابه الأمكنة والأزمنة، وتقاطع بعض الوقائع الروائية مع التاريخ الشخصي للمؤلف، إلى جانب ما يرتبط بما يمكن تسميته «الوعي الكتابي للمبدع»، حين تتحدث الشخصية أو الراوي عن الكتابة وتجربتها وأسئلتها.

غير أن هذه المؤشرات لا تكفي، في المنظور النقدي، للحكم بأن الرواية سيرة ذاتية أو أن شخصياتها تمثل بالضرورة صورًا مقنعة لكاتبها؛ فالتجربة الشخصية قد تكون مادة أولية للرواية، لكنها تخضع داخل النص لإعادة تشكيل تفرضها بنية السرد ومنطق التخييل.

حين تتحول الحياة إلى أدب

فالروائي قد يستعير من حياته مكانًا أو حدثًا أو شخصية، لكنه لا ينقلها بالضرورة كما وقعت. وقد يعيد ترتيب الزمن، ويغير العلاقات، ويمنح الشخصية ملامح جديدة، ويضع التجربة الفردية داخل سياق اجتماعي أو إنساني أوسع. وفي هذه العملية تتحول الذاكرة من سجل للحياة إلى مادة فنية قابلة للتأويل.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين حضور السيرة في الرواية وتحول الرواية إلى سيرة؛ فالأول يمكن أن يكون جزءًا من آليات الكتابة والتخييل، بينما يحتاج الثاني إلى شروط وقرائن أكثر تعقيدًا.

كما أن الإفراط في ربط الشخصيات الروائية بأشخاص حقيقيين قد يحجب جماليات النص وتقنياته، ويحوّل القراءة من تحليل عالم الرواية إلى البحث عن الوقائع والأسماء والأشخاص الذين يقفون خلفها. وقد يضيّق ذلك أيضًا مساحة الحرية التي يحتاج إليها الروائي في ابتكار الشخصيات ومعالجة الموضوعات الحساسة وبناء عوالمه المتخيلة.

«كتابة الذات» في مشروع الغامدي

ويتصل هذا السؤال بمشروع الغامدي النقدي الأوسع في دراسة السيرة الذاتية والأدب الذاتي و«كتابة الذات». فقد صدر له عام 2013 كتاب «كتابة الذات: دراسات في السيرة الذاتية»، إلى جانب أبحاث تناولت السيرة الذاتية في الأدب السعودي وقضايا الذات والهوية والذاكرة.

ويمتد اهتمامه بالعلاقة بين الرواية والسيرة إلى بحث «الرواية وعقد السيرة الذاتية»، المنشور ضمن كتاب «الرواية وتحولات الحياة في المملكة العربية السعودية»، الصادر عن النادي الأدبي بالباحة عام 2008، بما يعكس انشغالًا نقديًا متصلًا بالحدود بين ما يعيشه الكاتب وما يكتبه، وبين الذاكرة بوصفها مادة للتجربة والتخييل بوصفه أداة لإعادة صياغتها.

الرواية السعودية.. ذاكرة تتجاوز أصحابها

وفي السياق السعودي، يكتسب هذا السؤال بعدًا خاصًا؛ إذ ارتبطت الرواية خلال مراحل تطورها برصد تحولات اجتماعية وثقافية ومكانية واسعة، واستثمر عدد من الروائيين الذاكرة الشخصية والمحلية في بناء عوالم سردية تتجاوز التجربة الفردية إلى أسئلة المجتمع والهوية والزمن والمكان.

لكن استدعاء الواقع لا يعني نقله كما هو؛ فالمكان الذي يعرفه الكاتب قد يعود في الرواية بصورة مختلفة، والشخصية التي تبدأ من ملامح شخص حقيقي قد تنفصل عنه تمامًا، والحدث الذي يستند إلى تجربة واقعية يمكن أن يتحول داخل النص إلى واقعة ذات دلالة أخرى. وبين الحياة والرواية، تعمل الكتابة على الانتقاء والتحوير وإعادة البناء، حتى يصبح النص كيانًا له منطقه الخاص.

ومن هذه الزاوية، تأتي محاضرة «سيرذاتية الرواية السعودية» التي تستضيفها «نالا» الاثنين المقبل بوصفها مساحة لفتح سؤال يتجاوز حدود المناسبة: كيف تتحول الحياة إلى أدب؟ ومتى تكون التجربة الشخصية مادة أولية يعيد الخيال تشكيلها؟ ومتى يصبح التشابه بين الكاتب وشخصياته مدخلًا مضللًا لقراءة النص؟

لعل السؤال الأعمق الذي تتركه السيرة للرواية ليس: هل كتب الروائي حياته؟ وإنما: ماذا تفعل الرواية بالحياة حين تدخلها؟

ومن هذه المسافة تحديدًا، بين ما عاشه الكاتب وما يصنعه النص، تبدأ الرواية في اكتساب استقلالها؛ إذ لا تعود الحياة مادةً منقولة، بل تجربةً يعيد الأدب اكتشافها وصياغتها ومنحها معنى جديدًا.