بقلم- مبارك بن عوض الدوسري
ليست كل الزيارات إلى الجهات الخدمية مجرد معاملات تنتهي بختم أو إجراء، فبعضها يترك في النفس انطباعاً جميلاً، ويمنحك فرصة لتكتشف نماذج وطنية تستحق الإشادة، وشباباً سعوديين يؤكدون بالفعل قبل القول أن أبناء هذا الوطن هم خير من يخدمه، وأن الإخلاص في العمل لا يحتاج إلى كثير من الحديث، بل تظهر معانيه في التعامل، والابتسامة، والاحترام، وإتقان المهمة.
كنت في زيارة إلى محطة الفحص الفني الدوري للسيارات بمحافظة وادي الدواسر لإجراء الفحص السنوي لإحدى المركبات الخاصة، زيارة عادية في ظاهرها، لكنها تحولت إلى موقف يستحق التوقف عنده والحديث عنه؛ فقد وجدت أمامي مجموعة من الشباب السعودي يؤدون أعمالهم المهنية بكل كفاءة، ويستقبلون المراجعين بوجوه بشوشة، وكلمات راقية، وتقدير يليق بكل من يقصد المكان لإنجاز معاملته.
ولم يكن اللافت في المشهد سرعة إنجاز الإجراء فقط، وإن كانت تستحق الإشارة، فقد انتهت عملية الفحص في مدة لم تتجاوز عشر دقائق، دون مبالغة، وإنما كانت الصورة الأجمل في ذلك التعامل الإنساني الذي سبق الإجراء ورافقه وانتهى معه؛ ابتسامة حاضرة، وترحيب صادق، وحديث مهذب، وحرص واضح على أداء المهمة بأفضل صورة، مع تقدير خاص لكبير السن واحترامه، وهو أمر يكشف عن وعي مهني وأخلاقي لا يقل أهمية عن الكفاءة الفنية.
وبعد انتهاء الفحص وجدت نفسي، دون تخطيط مسبق، أتوقف لأسأل عن أسماء هؤلاء الشباب، لا لشيء سوى أنني شعرت أن من الوفاء أن أشكر الإنسان الذي أحسن أداء عمله، وأن أثني على من جعل من وظيفته مساحة لخدمة الآخرين وإدخال الرضا إلى نفوسهم.
وقد بدا عليهم شيء من التواضع الجميل؛ فعندما علموا أنني أطلب أسماءهم رغبة في شكرهم والثناء عليهم، بادروا بالقول إنهم لم يفعلوا سوى عملهم وواجبهم، وإن ما يقدمونه هو ما ينبغي أن يقدمه كل مواطن مخلص في هذا الوطن؛ وكانت تلك العبارة وحدها كافية لتؤكد أن ما رأيته لم يكن مجرد أداء وظيفي، بل ثقافة عمل وقناعة راسخة بأن خدمة الناس جزء من خدمة الوطن.
ومن بين هؤلاء الشباب يبرز الفاحص الفني شجاع مسفر شجاع المصارير، الذي أدى مهمته بمهنية وهدوء، ومشرف المسار وليد محمد عبدالله الجفارين، الذي كان حاضراً في تنظيم العمل ومتابعة إجراءاته بروح مسؤولة، إلى جانب مساعد الفاحص برجس عايض شجاع المصارير، الذي شارك في أداء المهمة بكل ترحيب وحسن تعامل.
ثلاثة أسماء قد تبدو عابرة في سجل العمل اليومي، لكنها في هذه القصة ليست كذلك؛ فهي أسماء لشباب يمثلون شريحة واسعة من أبناء هذا الوطن الذين يؤدون أعمالهم بعيداً عن الأضواء، ويذهبون إلى وظائفهم كل صباح ليقدموا ما عليهم تجاه وطنهم ومجتمعهم، ويثبتوا أن جودة الخدمات لا تقاس بالإجراءات وحدها، بل أيضاً بطريقة تقديمها واحترام الإنسان الذي يقف أمام الموظف.
إن أبناء البلد هم خير من يخدم وطنه ومجتمعه، ولا غرابة في ذلك؛ فهم يحملون إحساساً مختلفاً تجاه المكان والناس، ويعرفون أن الوظيفة ليست مجرد مصدر رزق، وإنما مسؤولية وأمانة وصورة تعكس أخلاق صاحبها وقيم مجتمعه؛ وقد لا يحتاج الموظف إلى أكثر من ابتسامة صادقة وكلمة طيبة وحسن استقبال حتى يجعل تجربة المراجع أكثر سهولة ورضا.
ولعل أجمل ما في هذه القصة أن هؤلاء الشباب لم يكونوا يبحثون عن الثناء، بل كانوا يرون ما فعلوه واجباً طبيعياً، وهذا هو جوهر الإخلاص؛ أن تقدم أفضل ما لديك دون انتظار التصفيق، وأن تنجز مهمتك بإتقان لأنك تؤمن بأن ذلك هو الصحيح، وأن تخدم المواطن والمقيم لأن خدمة الإنسان قيمة تستحق أن نحافظ عليها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"، ومن هذا المعنى تأتي هذه الكلمات تقديراً لكل موظف سعودي يجعل من حسن التعامل عنواناً لعمله، ولكل شاب يرى في وظيفته فرصة لخدمة وطنه، ولكل يد تعمل بإخلاص بعيداً عن الأضواء.
إن النماذج المشرفة مثل شجاع، ووليد، وبرجس، الذين لا تجمعني بهم أية معرفة مسبقة تستحق أن يُقال لها: شكراً؛ ليس لأنها قامت بأكثر من واجبها، بل لأنها أدت واجبها بطريقة تجعل الآخرين يشعرون بقيمة ما يقدمونه، وتؤكد أن شباب المملكة قادرون على تقديم صورة مشرقة عن الموظف السعودي الذي يجمع بين الكفاءة المهنية وحسن الخلق والروح الوطنية.
وفي نهاية تلك الزيارة، غادرت محطة الفحص الفني الدوري، وقد تجاوزت التجربة مجرد فحص مركبة؛ فقد كانت هناك نتيجة أخرى أكثر أهمية، وهي أنني شاهدت ثلاثة شباب يؤمنون بأن العمل أمانة، وأن خدمة الناس شرف، وأن الابتسامة قد تكون أجمل ما يقدمه الموظف، وأن أبناء الوطن، بعطائهم وأخلاقهم وإخلاصهم، هم بالفعل خير من يخدم وطنه وأهله وكل من يعيش على أرضه المباركة.
وما أجمل أن يكون بعض موظفينا سفراء لوطنهم بأخلاقهم قبل وظائفهم، وبابتسامتهم قبل مسمياتهم، وبإتقانهم قبل كلماتهم؛ فمثل هؤلاء يستحقون أن نقول لهم من القلب: نعتز بكم، ونفخر بما تقدمونه، ونسأل الله أن يبارك في جهودكم ويكتب لكم أجر كل من أسعدتموه بحسن تعاملكم وإخلاصكم في عملكم.