بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
ليس أخطر ما يصيب المجتمعات أن تتغير مظاهرها أو أنماط معيشتها، بل أن تنقلب معاييرها؛ فيصبح الصدق عبئًا، والنفاق مكسبًا، ويُلام صاحب المبدأ بدل أن يُحترم.
هنا يبدأ ما يمكن أن نسميه: التنويم الاجتماعي.
وهو ليس أن ينام الناس، بل أن يستيقظوا بأجسادهم وتغفو ضمائرهم؛ يرون التناقض فلا ينكرونه، ويسمعون الزيف فلا يستغربونه، حتى يصبح الباطل مألوفًا، والحق غريبًا.
وقد وصف النبي ﷺ أزمنة الفتن بقوله:
«سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين».
وهذا ليس مجرد خلل في الأشخاص، بل اختلال في ميزان التقويم الأخلاقي؛ حين تتحول كلمة الحق إلى مغرم يدفع صاحبها ثمنه، بينما تصبح كلمة الباطل مغنمًا يجلب المال أو النفوذ أو الوجاهة.
وهنا لا تكمن المشكلة في الكاذب وحده، بل في السوق التي تكافئ الكذب.
وأخطر مراحل التنويم الاجتماعي أن تُعاد تسمية الأشياء؛ فيصبح النفاق ذكاءً اجتماعيًا، والتلون مرونةً، والسكوت عن الخطأ حكمةً، والتراجع عن المبدأ واقعيةً، بينما تُوصم الصراحة بالتهور، والثبات بالجمود.
عندها لا تتغير الكلمات فقط، بل يتغير الضمير الذي يحاكم بها الأشياء.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
فالباطل الصريح يسهل كشفه، أما الباطل حين يختلط ببعض الحق، ويُحسن تزيينه، ويُكرر حتى تألفه الأسماع، فإنه يصبح أشد خطرًا.
وفي عصر المنصات المفتوحة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، قد لا تنتصر الفكرة لأنها صحيحة، بل لأنها أكثر تكرارًا وانتشارًا. وهنا يظهر أخطر أنواع الجهل: أن تظن أنك تعرف، بينما أنت تكرر ما صيغ لك لتعرفه.
إن المجتمعات لا تنهار يوم يظهر فيها الكاذب، فالكاذب موجود في كل زمان؛ وإنما تبدأ أزمتها حين يتعب الصادقون من قول الحقيقة، ويصبح الثبات على القيم بطولةً استثنائية.
وأبلغ ما في الفكرة أن الفتنة الحقيقية ليست في كثرة الباطل فحسب، بل في اختلاط الموازين؛ حتى يُكافأ الباطل، ويُحاصر الحق، ويصبح رضا الناس أحيانًا أقوى من سلطان المبدأ.
وحين يصبح قول الحقيقة بطولة، فالمشكلة ليست في شجاعة القائل وحدها، بل في البيئة التي جعلت الفضيلة تحتاج إلى بطولة كي تُمارس.
نسأل الله أن يثبتنا على الحق، وأن يبصّرنا بالفتن قبل أن تلتبس علينا.
فإذا أصبح الحقُّ كلفةً، والباطلُ تجارةً؛ فالمشكلة لم تعد في المتكلمين وحدهم… بل في الميزان الذي يزنهم.