الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ اكتوبر-٢٠٢٦       1980

بقلم : د. نجوى الكحلوت

ينتهي الدرس، وتُغلق الكتب، وتغادر الوجوه مقاعدها، وتمضي السنوات حتى تتبدّل ملامح الفصول وأسماؤها. ومع ذلك، يظل شيء من المعلم عالقًا في مكان لا تصل إليه يد النسيان.

قد لا نتذكر الدرس الذي شرحه، ولا الصفحة التي وقف عندها طويلًا، ولا الاختبار الذي شغلنا أيامًا. نتذكر عوضًا عن ذلك: مشاعر صادقة غمرنا بها، ونظرة حانية وسط عراك الدراسة أعادت إلينا ثقتنا بأنفسنا، صبرًا على ما لم تحط به طفولتنا علما.

ذلك هو الجزء الذي لا يُكتب في سجل المعلم.

فالمعلم الحقيقي يزرع في نفوس طلابه إلى جوار العلم طريقةً في النظر إلى الأشياء، يعلّمهم كيف يسألون، وكيف يختلفون دون خصام، وكيف يخطئون ويصوبون، وكيف يتعاملون مع الكلمة قبل أن ينطقوا بها.

قد يمضي الطالب في حياته، فيصبح كاتبًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو عالِمًا أو غير ذلك، ثم يفعل شيئًا صغيرًا لا ينتبه إليه: يصغي إلى أحد كما كان معلمه يصغي إليه، يشجّع مترددًا كما شُجع من قبل، يشرح فكرة، يقيل عثرة، ويبني أمة.

وهناك، في تلك اللحظة البعيدة، يعود المعلم إلى الحياة دون أن يُذكر اسمه، نجاحٌ يقاس بعيدا عن قرع الأجراس. ولهذا يبدو يوم المعلم، في جوهره، سؤالًا أكثر منه مناسبة:

كم إنسانًا ما زال في العالم يحمل شيئًا منك؟

قد لا تعرف الإجابة، وربما كان أجمل ما في رسالة التعليم أن صاحبها لا يعرف غالبًا حجم الأثر الذي تركه؛ لأن بعض الآثار تنمو في صمت، بعيدًا عن عين صاحبها، حتى تصبح جزءًا من حياة إنسان آخر.

وفي يوم المعلم، لا نحتفي بمن علّمنا حرفًا فحسب، وإنما بمن جعل للحرف أثرًا، وللمعرفة معنى، وللثقة مكانًا في نفوسنا.

فبعض المعلمين يعبرون حياتنا درسًا، وبعضهم يبقون فيها أثرا جميلًا.