الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ اكتوبر-٢٠٢٦       3025

بقلم- مقبل الشليخي

الذكاء الاصطناعي نعمة كبيرة، يجهل حجمها من لم يقرأ عنها، ولم يبحر فيها، ولم يجرّبها بنفسه.

والحقيقة أنني كلما دخلت أكثر في هذا العالم، اكتشفت أن ما أبهرنا حتى الآن قد لا يكون إلا البداية.

شاهدت بالأمس حلقة للإعلامي مالك مكتبي، استضاف فيها الدكتورة ديما عبدالجبار، استشارية طب الأورام.

كان اللقاء مفيداً جداً بالنسبة لي، خصوصاً أن أغلب ما طُرح عن الأورام كان جديداً عليّ، لكن أكثر ما شدني حديث الدكتورة عن دخول الذكاء الاصطناعي في مجالهم، وأنهم بدأوا يعتمدون عليه في قراءة الصور الطبية والمساعدة في التشخيص بدقة عالية.

هنا توقفت.

نحن لا نتحدث عن برنامج يكتب رسالة، أو يصحح خطأً لغوياً، أو يلخص كتاباً. نحن نتحدث عن تقنية دخلت مجالاً بالغ الحساسية مثل الطب والأورام، وأصبحت أداة مهمة تساعد الطبيب في التشخيص واتخاذ القرار.

وبعد الحلقة بحثت أكثر في الموضوع، ووجدت أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة أصبح أوسع مما كنت أتصور.

ومن هنا بدأت أنظر إلى الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة.

إذا كان قد دخل إلى هذا العمق في الطب، فماذا عن بقية المجالات؟

وأنا أعمل في الإعلام أرى الفرق أمامي بشكل يومي.

التقرير الصحفي الذي كان يأخذ منا وقتاً طويلاً في الكتابة والمراجعة والتنقيح، والبحث عن الأخطاء النحوية، وتغيير العنوان أكثر من مرة، أصبح بالإمكان إنجاز جزء كبير منه خلال ثوانٍ.

حتى في التغطيات الصحفية، لم نعد نفكر كثيراً في مسألة تأخر النشر بسبب الصياغة أو التدقيق.

ترسل المعلومات الأساسية، وتطلب عنواناً، ومقدمة، وصياغة مختصرة، وأخرى موسعة، ثم تراجع وتختار وتضيف لمستك وتنشر.

الفرق هنا ليس في سرعة الكتابة فقط، بل في الوقت الذي اختصرته هذه الأدوات علينا.

وأعتقد أن الخطأ هو أن نحصر النقاش دائماً في سؤال:
هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر؟

في رأيي، السؤال الأهم هو:
ماذا سيفعل الإنسان بهذه الأدوات الجديدة؟

فالطبيب لن تقل قيمته لأن نظاماً ساعده في قراءة صورة أو الوصول إلى تشخيص أدق، والصحفي لن تنتهي مهنته لأن برنامجاً كتب خبراً خلال ثوانٍ.

المشكلة ستكون فيمن يرفض أن يتعلم، أو يصر على العمل بنفس أدوات الأمس.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدك كثيراً، لكنه لا يملك تجربتك، ولا يعرف الأشخاص الذين قابلتهم، ولا المواقف التي عشتها، ولا السؤال الذي خطر في بالك أنت دون غيرك.

ولا يعني هذا أنه بلا سلبيات أو مخاطر، فهذا غير صحيح، لكن كثيراً منها يمكن التعامل معه بالوعي والتنظيم وحسن الاستخدام.

ومع سلبياته، تبقى إيجابياته أكبر وأوضح.

ولهذا أرى أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الإنسان، لكنه سيغيّر طريقة عمله بشكل كبير.

ونحن اليوم مندهشون من قدرته على الكتابة، والتحليل، والترجمة، وقراءة الصور، ومساعدة الأطباء.

وربما بعد سنوات قليلة سننظر إلى كل هذا ونكتشف أن ما أدهشنا اليوم كان مجرد البداية.

وأننا في الحقيقة لم نرَ منه شيئاً بعد.