الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ اكتوبر-٢٠٢٦       8250

بقلم ـ محمد الفايز
لم تعد الحروب كما عرفها العالم جيوشًا تتحرك، وحدودًا تُخترق، وسلاحًا يفرض واقعًا جديدًا. فهناك حرب أخرى تتحرك بصمت من خلف الشاشات، وعبر أجهزة نحملها معنا في كل مكان، بينما يبقى ميدانها الحقيقي هو الإنسان وما يملكه من وعي وقناعة.

إنها حرب باردة بثوب جديد، لا يُسمع فيها دوي المدافع، لكن آثارها قد تصل إلى عمق المجتمعات. المعلومة فيها سلاح، والبيانات قوة، والتأثير في القناعات هدف، وهز الثقة إحدى أدواتها. ومن هنا تغيّرت قواعد اللعبة.

فما نبحث عنه ونشاهده ونتفاعل معه لم يعد مجرد نشاط عادي في فضاء رقمي مفتوح، بل بيانات تتراكم لتمنح صورة أوسع عن الاهتمامات والاتجاهات والسلوك. ومن يمتلك هذه البيانات ويجيد تحليلها، يمتلك قدرة أكبر على قراءة المزاج العام واستشراف اتجاهاته، وربما التأثير فيه قبل أن يتحول إلى موقف أو قرار.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في هذه المعادلة، لم تعد المسألة جمعًا للمعلومات فقط، بل قدرة على تحليل كم هائل منها، وربط تفاصيلها، وصناعة محتوى أكثر تأثيرًا. وهنا تصبح المعلومة جزءًا من معادلة القوة، لا مجرد وسيلة لنقل الخبر.

ولذلك فإن الصراع لم يعد على الأرض وحدها، بل امتد إلى فضاء لا تحدّه الجغرافيا. خبر في توقيت محسوب، ومعلومة مبتورة، وصورة تُنتزع من سياقها، وحسابات تعيد الرسالة نفسها حتى تبدو وكأنها اتجاه عام؛ أدوات قد تبدو بسيطة، لكنها حين تُدار بصورة منظمة تستطيع أن تصنع صوتًا، وتربك المشهد، وتهز الثقة، وتدفع باتجاه قناعة يراد لها أن تستقر في الذهن. وهنا تكمن الخطورة؛ فالتأثير في الوعي قد يسبق التأثير في الواقع.

ولهذا لم تعد حماية الدول مرتبطة بحدودها الجغرافية فقط. هناك حدود أخرى تبدأ من أمن المعلومة، وتمر بحماية البيانات، ولا تنتهي عند تحصين الوعي. فالدولة التي تستثمر في التقنية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتبني في الوقت نفسه مجتمعًا قادرًا على التمييز والتحليل، إنما تعزز جانبًا مهمًا من سيادتها وأمنها.

والوعي هنا لا يعني الشك في كل ما يصل إلينا، بل القدرة على السؤال والتحقق وفهم السياق؛ لأن بعض المعارك الحديثة لا تطلب منك أن تصدق الكذبة كاملة، ويكفيها أحيانًا أن تجعلك تشك في الحقيقة.

لقد تغيّر مفهوم القوة، وأصبحت البيانات والمعلومة والتقنية عناصر حاضرة في معادلات النفوذ والصراع. ومن يقرأ هذا التحول مبكرًا، لا يحمي معلوماته فحسب، بل يحمي مساحة القرار من أن تُصنع خارج إرادته.

في الحروب القديمة كان الواقع يُفرض بعد انتهاء المعركة، أما اليوم فقد تبدأ المعركة قبل أن يقع الحدث؛ حين تُصنع القناعة، ويُوجَّه الوعي، ويُمهَّد للواقع قبل وصوله. وهنا تكمن حرب ما قبل الواقع: أن ينتصر التأثير في الذهن، قبل أن تبدأ المعركة على الأرض.