الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ اكتوبر-٢٠٢٦       4785

بقلم ـ اللواء ركن/ م. حسين محمد معلوي

المتتبع لما يجري في الأراضي الفلسطينية منذ فترة، وما تشهده الضفة الغربية على وجه الخصوص من سياسات إسرائيلية متصاعدة تستهدف فرض واقع جديد على الأرض ، يلاحظ بوضوح أن الأمر لم يعد مقتصراً على الاحتلال والاستيطان، وإنما امتد إلى محاولات تغيير هوية الأرض وطمس معالمها العربية والإسلامية، وصولاً إلى السعي لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية إلى إسرائيل بصورة رسمية اعتمادا على مبدأ وعقيدة توراتية .

 

ولعل ما تشهده الأراضي الفلسطينية خلال هذه الأيام، بالتزامن مع فعاليات عيد العُرش اليهودي، ولا سيما في مدينة القدس وفي رحاب المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وكذلك في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، يمثل صورة أخرى من صور التصعيد الذي يستهدف المقدسات الإسلامية ويزيد من حدة التوتر والاحتقان .

 

إن المسجد الأقصى ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو أحد أقدس مقدسات المسلمين، وله مكانة راسخة في الوجدان الإسلامي، ولذلك فإن استمرار الاقتحامات ومحاولات فرض طقوس دينية في ساحاته، إلى جانب التضييق على المصلين المسلمين ومنع بعضهم من الوصول إليه، يمثل مساساً خطيراً بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد، ويثير مشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

 

ولا يمكن فصل ما يجري في المسجد الأقصى عن الصورة الأوسع لما تشهده الضفة الغربية من توسع استيطاني، ومصادرة للأراضي، وهدم للمنازل، وتهجير للسكان، وإقامة للمستوطنات والبؤر الاستيطانية التي وصل عددها الى (٤٠٠) بؤره ، في ظل سياسات تؤدي عملياً إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة .

 

يتفق المحللون بأنه إذا استمرت هذه السياسات على هذا النحو، فإنها لا تهدد حقوق الشعب الفلسطيني فحسب، بل تقوض أيضاً فرص تحقيق السلام العادل، وتضع مزيداً من العراقيل أمام حل الدولتين الذي ظل المجتمع الدولي يؤكد أهميته باعتباره أحد المسارات المطروحة لإنهاء الصراع وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

إن الأخطر في المشهد الحالي هو محاولة تحويل الوقائع التي تُفرض بالقوة على الأرض إلى أمر واقع دائم وهذا هو الاستعمار الإحلالي بعينه ، ثم التعامل معها مستقبلاً باعتبارها حقائق لا يمكن تغييرها. وهذا النهج لا يمكن أن يصنع سلاماً، لأن السلام لا يقوم على إلغاء حقوق طرف أو فرض إرادة طرف آخر، وإنما يقوم على العدالة واحترام الحقوق والالتزام بالقانون الدولي والاتفاقات والقرارات ذات الصلة.

وتظل القدس في قلب القضية الفلسطينية فهي تضم مقدسات للمسلمين والمسيحيين يريد غلاة بني اسرائيل اجتثاثها جميعاً وطمس معالمها الحضاريه ، ويظل المسجد الأقصى في مقدمة القضايا التي تستوجب الحماية والاهتمام، لما تمثله المدينة المقدسة من مكانة دينية وتاريخية وحضارية ، ولما يمثله المسجد الأقصى من رمزية عظيمة لدى المسلمين . ومن هنا فإن أي محاولة لتغيير هويته أو وضعه التاريخي والقانوني أو فرض واقع جديد عليه لا يمكن النظر إليها باعتبارها حدثاً عابراً، لما قد تترتب عليه من تداعيات تتجاوز حدود فلسطين إلى المنطقة والعالم الإسلامي بأسره.

كما أن استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين في ما بقي من غزة والضفة الغربيه ، والتوسع في الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتهجير السكان، لن يؤدي إلى إنهاء الصراع، بل سيزيد من الاحتقان ويعمق مشاعر الغضب واليأس، ويجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة وتعقيداً.

 

إن من المؤسف أن المجتمع الدولي، رغم مرور عقود طويلة على القضية الفلسطينية، لم يتمكن حتى الآن من وضع حد نهائي للاحتلال وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. ولذلك فإن المسؤولية الدولية تقتضي موقفاً أكثر جدية وفاعلية، يحمي المدنيين والمقدسات، ويمنع تغيير الواقع بالقوة، ويعيد القضية إلى مسار سياسي جاد يفضي إلى حل عادل وشامل.

 

إن المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من مواقفها الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، أكدت مراراً أن تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة يتطلب تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للقرارات الدولية ومبادرة السلام العربية.

 

إن ما يحدث اليوم في فلسطين لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مسار متواصل يستوجب من المجتمع الدولي موقفاً واضحاً ومسؤولاً. فاستمرار فرض الأمر الواقع بالقوة، والتوسع الاستيطاني، والمساس بالمقدسات، لن يصنع أمناً دائماً ولن يحقق سلاماً حقيقياً.

 

فالسلام لا يولد من الاحتلال، ولا من الاستيطان، ولا من تهجير الشعوب، ولا من المساس بمقدساتها، وإنما يولد من العدل واحترام الحقوق والاعتراف بالآخر. وما لم تُعالج جذور القضية الفلسطينية معالجة عادلة وشاملة، فإن المنطقة ستظل معرضة لمزيد من الصراعات والتوترات.

 

وستظل فلسطين، بقدسها وأقصاها ومقدساتها، قضية حاضرة في وجدان العرب والمسلمين، وسيظل الشعب الفلسطيني متمسكاً بحقوقه المشروعة، مهما طال الزمن. ومن هنا فإن إنهاء الاحتلال، وحماية المقدسات، ووقف الاستيطان والتهجير، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة، ليست مطالب سياسية فحسب، بل خطوات أساسية نحو تحقيق سلام عادل ودائم وشامل في المنطقة.