الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ سبتمبر-٢٠٢٦       2255

بقلم:عبدالله الكناني

*ليست الأرقام وحدها هي التي تمنح الخطاب الملكي أهميته، ولا الأحداث المتسارعة من حول المملكة هي التي تحدد دلالته، بل اللحظة التاريخية التي يلتقي عندها عمر الدولة بما أنجزته الرؤية، وما تستعد لصناعته في المستقبل.*

فبين ثلاثة قرون تقترب الدولة السعودية من إكمالها، وعشر سنوات مضت من رؤية السعودية 2030، تتشكل في الخطاب معادلة وطنية لافتة، جذور تمنح الدولة ثباتها، وتحول يمنحها قدرتها، وطموح يوسع أمامها أفق المستقبل.

 

ومن عمق ثلاثة قرون، يستحضر الخطاب الأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية في مختلف مراحلها، مستندة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومتمسكة بالتوحيد والعدل.

وفي هذا الاستحضار ما يتجاوز التأريخ إلى تأكيد حقيقة جوهرية، مفادها أن التحديث في المملكة لا ينفصل عن الجذور، وأن صناعة المستقبل لا تعني تجاوز الهوية، وإنما تعميقها وترسيخها في وجدان الأجيال.

*ويظل شرف خدمة الحرمين الشريفين وعمارتهما ورعاية قاصديهما امتداداً لهذا الإرث، ومسؤولية تاريخية حملتها الدولة جيلاً بعد جيل، حتى غدت جزءاً أصيلاً من رسالتها ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي.*

وبين رسوخ التاريخ وحركة الحاضر، ينتقل *الخطاب* إلى لغة الأرقام والنتائج، وهي لغة تكشف تحولاً عميقاً في منهج الإدارة الحكومية، من إعلان الخطط والطموحات إلى قياس الأداء ومراجعة النتائج وربط السياسات بمؤشرات واضحة.

 

وتبرز *نسبة 93 في المئة*، التي حققتها مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات *رؤية 2030* من مستهدفاتها خلال عشر سنوات، بوصفها شاهداً على حجم التحول الذي شهدته المملكة خلال عقد واحد.

ولا تختزل هذه النسبة في رقم مجرد، بل تقف خلفها منظومة عمل امتدت إلى الاقتصاد والإدارة والتشريع والاستثمار والتقنية والبنية التحتية وجودة الحياة ورفع كفاءة مؤسسات الدولة.

*وفي قلب هذه المنظومة، يحضر المواطن بوصفه أصل النجاح ومحور التنمية.*

ويكتسب وصف المواطنين والمواطنات بأنهم “*أصل كل نجاح*” دلالة تتجاوز الإشادة إلى تحديد موقع الإنسان السعودي في المشروع الوطني، باعتباره شريكاً في صناعة التحول، وليس مجرد مستفيد من ثماره.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح الاستثمار في رأس المال البشري رهاناً على المستقبل، لأن الاقتصاد المتنوع والمجتمع المنتج والدولة المنافسة عالمياً تحتاج جميعها إلى كفاءات وطنية تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار.

 

وتكشف المؤشرات الاقتصادية، بدورها، عن تغير ملموس في بنية الاقتصاد الوطني.

*فالصادرات غير النفطية، التي سجلت نمواً بنسبة 155 في المئة مقارنة بعام 2016، تعكس اتساع قاعدة الإنتاج وتنامي حضور القطاعات غير النفطية.*

أما وصول مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51 في المئة، فيشير إلى انتقاله من دور تقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي، إلى شريك محوري في التنمية والاستثمار وخلق الفرص.

 

وفي الاتجاه نفسه، تمضي إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للخمس سنوات المقبلة نحو بناء منظومات اقتصادية محلية أكثر قدرة على المنافسة، وتعزيز المحتوى المحلي، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وتحقيق عوائد مالية مستدامة.

*وهنا تتغير وظيفة الاستثمار من تمويل مشروعات منفردة إلى صناعة قطاعات كاملة، قادرة على توليد فرص جديدة للعمل والإنتاج والتصدير.* 

وتلك نقلة مهمة في مفهوم التنمية، لأنها تؤسس لاقتصاد يصنع مصادر قوته، ويضاعف قدرته على النمو والاستمرار.

 

غير أن قوة الاقتصاد لا تختبر في أوقات الاستقرار وحدها، بل تظهر بصورة أوضح عندما تتسارع الأزمات وتتغير الظروف.

ومن هذه الزاوية، يكتسب حديث الخطاب عن مرونة الاقتصاد الوطني ونضج مؤسساته واستدامته المالية أهمية خاصة، في ظل ما يشهده العالم والمنطقة من تحولات متوالية.

فالخطط الناجحة ليست تلك التي تسير في طريق ثابت فحسب، وإنما التي تعرف كيف تتكيف حين تتغير الطرق والظروف من حولها.

*ولعل تأكيد الخطاب أن التخطيط الطويل المدى لا يعني “الثبات والسكون”، بل القدرة على التكيف، يختصر فلسفة إدارية تجمع بين ثبات الأهداف ومرونة الأدوات.*

وعندما ينتقل الخطاب من الاقتصاد إلى حياة المواطن، تتضح الغاية النهائية من كل هذا التحول.

فالهدف الأساس لكل ما تقوم به الدولة هو رفعة الوطن وازدهاره وتحسين جودة الحياة فيه، وهو ما يجعل الأرقام الاقتصادية وسيلة لخدمة الإنسان، لا غاية مستقلة عنه.

ومن هنا، يتصدر *التعليم والصحة* سلم الأولويات، باعتبارهما استثماراً مباشراً في الإنسان وفي قدرته على بناء المستقبل.

 

ويؤسس تطوير التعليم لمرحلة تتجاوز توفير الخدمة إلى الارتقاء بجودتها، وتعزيز قدرتها على صناعة المعرفة والمهارة والابتكار.

وبالمثل، يمضي التحول الصحي نحو منظومة تقاس كفاءتها بجودة الرعاية واتساع التغطية وسهولة الوصول إلى الخدمة وقدرتها على الاستدامة.

وبين التعليم والصحة وسوق العمل، تتشكل منظومة مترابطة تجعل المواطن محور التنمية وأداتها وغايتها في آن واحد.

 

وفي سوق العمل، تكتسب النجاحات المحققة في خفض نسب البطالة معناها الأوسع، حين تقترن بتنمية المهارات ورفع الإنتاجية وتوسيع فرص المنافسة أمام المواطنين.

ويمتد هذا الاهتمام إلى القطاع العقاري، حيث تعكس الإصلاحات وزيادة خيارات السكن ورفع نسبة التملك حرص الدولة على معالجة الملفات التي تمس حياة المواطن بصورة مباشرة، مع المحافظة في الوقت نفسه على التوازن بين تلبية الاحتياجات الراهنة واستدامة الموارد ومقدرات الأجيال القادمة.

 

وعلى تخوم المستقبل، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أكثر محاور الخطاب دلالة على طبيعة المرحلة المقبلة.

*فتسمية عام 2026 بعام “الذكاء الاصطناعي” لا تعبر عن احتفاء بالتقنية بقدر ما تكشف توجهاً استراتيجياً نحو الانتقال من مواكبة الثورة التقنية إلى المشاركة في قيادتها وصناعة تطبيقاتها*.

ويتعزز هذا الطموح بما حققته المملكة من تقدم في مؤشرات الجاهزية الرقمية والاتصالات والتقنية والأمن السيبراني ونضج الحكومات الرقمية، بما يوفر قاعدة قوية لبناء اقتصاد معرفي أكثر إنتاجية وتنافسية.

*ولا تنفصل هذه الطموحات التنموية عن مظلة الأمن التي تحميها.*

فالخطاب يؤكد امتلاك المملكة قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة، قادرة على التصدي للتهديدات وردعها، ويضع بذلك الأمن في موقعه الطبيعي باعتباره شرطاً للاستقرار والتنمية وحماية المكتسبات.

وفي محيط خليجي تتشابك فيه المصالح والتحديات، يتجدد التأكيد على أن الأمن الخليجي كل لا يتجزأ، وأن التعاون والتكامل بين دول مجلس التعاون ضرورة تتجاوز التنسيق إلى بناء قدرة جماعية على مواجهة المتغيرات.

 

وعلى امتداد الإقليم، تحضر فلسطين واليمن والسودان في الخطاب، باعتبارها ملفات تكشف ثبات السياسة السعودية في دعم الحقوق والشرعية والاستقرار.

فالموقف من فلسطين يرسخ الالتزام بحق الشعب الفلسطيني في حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية.

*وفي اليمن، يستمر الدعم لاستعادة الاستقرار وبسط سلطة الحكومة الشرعية والتصدي لاعتداءات الميليشيات الحوثية*.

أما السودان، فيحضر من خلال التأكيد على وحدته واستقراره والمحافظة على مؤسساته وتجنيب شعبه مآسي الحرب والدمار.

 

ومن الإقليم إلى العالم، تتسع دائرة المسؤولية السعودية.

فأمن الطاقة واستمرار الإمدادات وحماية الممرات البحرية وسلاسل التجارة، أصبحت جميعها مساحات يظهر فيها ثقل المملكة، وقدرتها على تحويل قوتها الاقتصادية والسياسية إلى عنصر استقرار في النظام الدولي.

*وعند قراءة الخطاب في مجمله، تتبدى صورة دولة لا تقف أمام منجزاتها للاحتفاء بها بقدر ما تجعل منها أساساً للمرحلة التالية.*

فالعقد الأول من رؤية 2030 أحدث تحولاً واسعاً في الاقتصاد والمؤسسات والمجتمع، بينما تتجه السنوات المقبلة إلى تعميق هذا التحول، ورفع جودة نتائجه، وتعظيم أثره، وضمان استدامة مكتسباته.

*وهكذا، يلتقي في الخطاب عمق ثلاثة قرون بطموح رؤية تستشرف العقود المقبلة، ويلتقي ثبات المبادئ بمرونة السياسات، وقوة الاقتصاد بالاستثمار في الإنسان، والأمن الوطني بالمسؤولية الإقليمية والدولية.*

وتلك هي الدلالة الأعمق للمرحلة التي تمضي إليها المملكة، وهي تدخل المستقبل بجذور راسخة ورؤية واضحة ومؤسسات أكثر نضجاً، ومواطن جعلته الدولة “*أصل النجاح”* وشريكاً في صناعة وطن يواصل البناء، ويحفظ مكتسباته، ويصون مقدرات أجياله القادمة.