الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ سبتمبر-٢٠٢٦       2200

النهار - السعودية 

تكشف نتائج PISA 2025 عن صورة عربية غير متجانسة: فقد حققت الإمارات العربية المتحدة والأردن والمملكة العربية السعودية تحسنًا ذا دلالة في العلوم مقارنة بعام 2022، وحافظت دولة قطر على مسارها الإيجابي طويل المدى رغم استقرار نتائجها في الدورة الأخيرة. وفي المقابل، واجهت أنظمة أخرى تحديات مرتبطة بانخفاض الأداء، أو اتساع التغطية التعليمية، أو ظروف النزاع، أو محدودية قابلية المقارنة الزمنية.

لكن الرسالة الأهم لصناع القرار ليست ترتيب الدول، وإنما ما يأتي:

1.      التحسن المسجل في بعض الأنظمة يمثل تقدمًا مهمًا، لكنه لا يعني بعدُ بلوغ مستوى الكفاية المنشود.

2.      المشكلة الأكثر إلحاحًا هي ارتفاع نسبة الطلبة الذين لا يبلغون الحد الأدنى من الكفاية في المجالات الثلاثة معًا.

3.      ندرة الطلبة في مستويات الأداء العليا تمثل تحديًا موازيًا؛ لأن الأنظمة تحتاج إلى رفع قاعدة التحصيل وتوسيع قمة التميز في الوقت نفسه.

4.      صِغَر الفجوات داخل بعض الأنظمة منخفضة الأداء لا يعني بالضرورة تحقق الإنصاف؛ فقد يكون ناتجًا عن تقارب الطلبة حول مستوى منخفض.

5.      تراجع القراءة لا يعكس ضعفًا لغويًا فقط، بل أزمة أوسع في الانتباه والمثابرة والتعامل المتعمق مع النصوص والمعلومات.

6.      التوسع في الأجهزة والذكاء الاصطناعي لا يضمن تحسن التعلم؛ فالعبرة بنوعية الاستخدام والتصميم التربوي والتنظيم الصفي.

7.      القيمة الحقيقية للنتائج تبدأ بعد إعلانها، من خلال تحليل البيانات الجزئية، وتصميم التدخلات، وقياس أثرها، وربط التمويل بالنتائج التعليمية.
 

ثلاث خلاصات مهمّة تستوجب التأكيد: 

−       الأولى، أن القيمة الحقيقية للاختبارات الدولية لا تكمن في الأرقام، بل في قدرة المؤسسات على تحويلها إلى دورة مستدامة: تشخيص، ثم تدخّل، ثم قياس أثر، ثم تحسين مستمر. وهذه القدرة تُبنى ولا تُفترض.

−       الثانية، أن الدراسات الدولية أداة من بين أدوات، لا مرجعًا وحيدًا ولا واقعًا لا بدّ من مجاراته. والتعامل مع التجارب الدولية الناجحة ينبغي أن يبقى في حدود اعتبارها قصص نجاح يُقتبس منها لا تُحاكى، لأن السياسات ذات الترتيبات المتشابهة تؤدّي إلى نتائج متباينة في سياقات مختلفة.

−       والثالثة، أن المنطقة العربية لن تستطيع، بالدراسات الدولية وحدها، الإجابة عن أسئلتها. ثلثا دولها خارج البيانات، وأداتها القياسية تصل متأخّرة عن اللحظة التي كان التدخّل فيها ممكنًا، ومؤشّراتها الإنصافية النسبية تعطي المنطقة صورة مطمئنة مضلّلة، ولا تقيس ما تعدّه هذه الدول جوهريًا في رسالة مدارسها.


 

القسم الأول: قراءة تحليلية في نتائج بيزا 2025

أولًا: نطاق القراءة ومنهجيتها

 شارك في PISA 2025 أكثر من 760 ألف طالب وطالبة من 91 دولة واقتصادًا، يمثلون نحو 33 مليونًا من الطلبة في سن الخامسة عشرة. وركزت الدورة على العلوم بوصفها المجال الرئيس، إلى جانب القراءة والرياضيات وحل المشكلات الحاسوبي.

استندت القراءة بالأساس على تقرير بيزا 2025 الصادر في 8 سبتمبر 2026، واعتمدت أربعة مستويات تحليلية:

متوسطات الأداء ومستويات الكفاية.

التغير بين دورتي 2022 و2025.

مؤشرات الإنصاف ببُعديه النسبي والمطلق .

البيئة التعليمية والانخراط والتقنية والذكاء الاصطناعي.
 

هذا، وتجدر الإشارة إلى المعالم المنهجية التي تتسم بها دراسة بيزا والتي ينبغي استحضارها في أي عمل تحليلي، أهمّها:

-         تستخدم بيزا 3 أنواع من المتوسطات:  (1) متوسط الدول الأعضاء في الدورة الحالية؛ و(2) متوسط 35 دولة يُستعمل لاتجاهات القراءة الطويلة؛ و(3) متوسط 23 دولة يُستعمل للمقارنة القصيرة بين 2022 و2025. وهي متوسطات غير متطابقة، وقد يبلغ الفرق بينها عدة نقاط. ولذلك تلتزم هذه الورقة بتسمية المتوسط المستعمل عند كل رقم.

-         التعامل مع النتائج باعتبارها تعدادًا لجميع الطلبة؛ فهي تقديرات مستخرجة من عينات احتمالية، وتتضمن خطأ معاينة وخطأ قياس وخطأ ربط عند المقارنة بين الدورات. لذلك لا ينبغي وصف أي فرق بأنه تحسن أو تراجع ما لم تثبت دلالته الإحصائية.

-        لا تشمل دراسة بيزا جميع الشباب في سن الخامسة عشرة، بل الطلبة المنطبق عليهم تعريف الفئة المستهدفة والمقيّدين في الصف السابع فما فوق. وتؤكّد الجهة المشرفة على الدراسة صراحةً أن النتائج، وإن كانت ممثِّلة للفئة المستهدفة، لا يمكن تعميمها على مجموع من هم في سن الخامسة عشرة في الدول التي يبقى فيها عدد كبير منهم خارج التعليم الثانوي.

-         لا تمنح بيزا درجة فردية شاملة لكل طالب؛ فالطلبة يجيبون عن مجموعات مختلفة من الفقرات، ولا يوجد «مجموع كلي» رسمي يجمع المجالات الثلاثة

-         لا يصحّ مقارنة الأنظمة المختلفة في التغطية أو التركيبة السكانية مقارنةً مباشرة

-        ثامنًا، النتائج تقديرات لا تعدادات، ولا يُوصف أي فرق بأنه تحسّن أو تراجع ما لم تثبت دلالته الإحصائية.

-        التأكيد على أن مفهوم "المرونة الأكاديمية" الذي تستخدمه الدراسة هو مفهوم نسبي داخل البلد وليس معيارا مطلقا؛ حيث يقصد بالطالب المحروم الذي يقع في الربع الأعلى من الأداء داخل بلده تحديدا. ومن ثمّ فإن ارتفاع نسبة المرونة في نظام منخفض الأداء قد لا يدلّ بالضرورة على تفوّق.
 

ثانيًا:  أهمّ النتائج

قبل عرض نتائج  هذه القراءة التحليلية، تجدر الإشارة إلى الحدود التالية:

-         لا تقرّ القراءة بأفضلية أي نظام تعليمي عن آخر، باعتبار الاختلافات الجوهرية في السياقات والتغطيات والتركيبات السكانية

-         لا تنسب أي تحسّن أو تراجع إلى سياسة بعينها، لأن بيزا تقيس ارتباطات ولا تثبت سببية.

-         لا تقدّم «متوسطًا عربيًا». تكوينه يتطلّب بيانات جزئية وأوزانًا وتصميم معاينة.

-         لا تصف حال التعليم في المنطقة العربية. بل  تصف الأنظمة العربية المشاركة فقط، وهي عيّنة غير عشوائية ولا تمثيلية.
 

شاركت في PISA 2025 ثمانية أنظمة تعليمية عربية فقط، وعليه لا يمكن الحديث عن «وضع التعليم العربي» خاصة وأن الأنظمة الثمانية المشاركة تميل بنيويًا إلى الدخل المتوسط والمرتفع، وتغيب عنها الكتلة السكانية الأكبر من طلبة المنطقة. كما يلاحظ أن الدول غير المشاركة هي في غالبها الدول التي تعاني أشدّ قيود الموارد والقدرات المؤسسية والاستقرار، أي الدول الأكثر حاجة إلى بيانات تشخيصية موثوقة. 



 

1.    الوضع التعليمي في الدول العربية: أداء متعدد الوجوه

1.1 الإمارات: التحسن مهم، لكنه لا يلغي وجود فجوات:

-         حققت الإمارات تحسنًا في المجالات الثلاثة مقارنة بعام 2022، وبلغ تحسنها 26 نقطة في العلوم و21 نقطة في الرياضيات و15 نقطة في القراءة. وهي الأقرب بين الأنظمة العربية الواردة إلى متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي، كما بلغ 65% من طلبتها المستوى الثاني فأعلى في العلوم.

-         تكشف بيانات الإنصاف أنه  بين 2022 و2025 ارتفع أداء الطلبة المحرومين بمقدار 40 نقطة، مقابل 19 نقطة للميسورين، فضاقت الفجوة بينهما بمقدار 21 نقطة، ما يؤكّد أنّ التحسّن مردّه خفض متدنّي الأداء ورفع المتفوّقين في آن واحد.

-         لا يزال 26.6% من الطلبة دون المستوى الثاني في المجالات الثلاثة مجتمعة، مقابل 19.7% في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي.  وهذا يعني أن المرحلة التالية للسياسة الإماراتية ينبغي أن تنتقل من استعادة الأداء إلى استدامة التحسن وتقليص قاعدة التعثر.

-         تظهر الإمارات في الطرف الأعلى عالميًا من حيث نسبة التباين في الأداء العائدة إلى الفروق بين المدارس، إلى جوار سلوفاكيا وألمانيا (الشكل I.2.2 في تقرير بيزا).  وهذا يدلّ أن الفروق تكمن بين المدارس لا داخلها. ويمكن تقليص هذه الفجوة بين المدارس عبر سياسات تتعلق بتوزيع المعلمين، ومعايير الجودة الموحّدة، وسياسات القبول....
 

2.1 قطر : متوسط ثابت وتحسّن إنصافي في المجموعة، وتحدي "كسر الاستقرار"

-         يبدو أداء قطر مستقرا، حيث لا تُظهر فروق دالّة إحصائيا بين 2022 و2025   في المجالات الثلاثة، ولذلك الأدق وصف الأداء بأنه مستقر لا متحسن ولا متراجع. لكن الصورة طويلة المدى أكثر إيجابية؛ إذ جاءت نتائج 2025 أعلى بصورة دالة من نتائج 2015، وانخفضت نسب متدني الأداء خلال العقد.

-         تراجع الفجوة بين فئات الطلبة، حيث بين 2022 و2025 ارتفع أداء الطلبة المحرومين 21 نقطة، بينما تراجع أداء الميسورين 13 نقطة، وبذلك تقل الفجوة 34 نقطة؛ وهي أكبر تراجع في المجموعة العربية كلها، ومن أكبرها دوليًا.

-         يلاحظ أن تقليص الفجوة جاء نتيجة صعود القاعدة وهذا يعتبر مكسبا إلا أن تراجع أداء الشريحة الميسورة بمقدار 13 نقطة يستوجب الانتباه حتى لا يقترن التحسن في مؤشرات الإنصاف بتراجع الفئة العليا

-         وبناء على هذه النتائج، لم يعد التحدي القطري يتمثل في وقف التراجع، وإنما كسر حالة الاستقرار وتوسيع قمّة التميّز ورفع نسبة الطلبة الذين يحققون الكفاية في المجالات الثلاثة؛ إذ لا يزال 35.8% دون المستوى الثاني فيها مجتمعة، بينما تبلغ نسبة المتفوقين في مجال واحد على الأقل 5%.
 

3.1 الأردن و السعودية: تحسّن ذو قيمة، ومسارا إنصاف متعاكسان

-         الأردن: ارتفع الأداء في العلوم والقراءة والرياضيات الثلاثة (+32، +20، +26)، وهو أكبر تحسّن في المجموعة العربية، وانخفضت نسبة متدني الأداء في العلوم بنحو 17 نقطة مئوية مقارنة بعام 2022. إلا أن 48% فقط بلغوا المستوى الثاني فأعلى في العلوم، وظلت نسبة المتفوقين محدودة. وعليه، فالنتيجة الأردنية تمثل تعافيًا ذا قيمة، لكنه لم يصل إلى مستوى الكفاية المنشود.

-         أما في السعودية، فقد تحقق تحسن واضح في العلوم (+23)، بينما بقيت القراءة (+5) والرياضيات (+1)  عند مستويات قريبة من دورة 2022. وتدل هذه النتائج على نجاح اتجاه إصلاحي في العلوم، مع ضرورة نقل أثره إلى القراءة والرياضيات.  وبلغت نسبة الطلبة الذين وصلوا إلى المستوى الثاني في العلوم 51%، في حين ظلت نسبة المتفوقين في العلوم محدودة جدًا. وارتفع أداء المحرومين 15 نقطة والميسورين 17 نقطة، مما يدل على اتساع الفجوة بثلاث درجات.

-         أظهرت النتائج نقطة مشتركة بين الأردن والسعودية تتمثل في وجود نقص في هيئة التدريس والمواد التعليمية مقارنةً بالمدارس المحرومة مقارنة بالمدارس الميسورة. ويمكن تدارك هذه الوضعية باتخاذ إجراءات تمييز إيجابي توجّه الموارد للمدارس الأكثر احتياجا.
 

4.1 المغرب ولبنان: لا يجوز قراءة النتائج دون إدخال عنصر التغطية التعليمية

-         في المغرب، كان أداء العلوم في 2025 قريبًا من 2022 (‑7) بينما انخفضت القراءة (‑18) والرياضيات (‑10). غير أن عدد الطلبة في سن الخامسة عشرة المؤهلين للمشاركة ارتفع بأكثر من 30% بين 2018 و2025 نتيجة توسع الالتحاق بالتعليم الثانوي.

-         هذه ملاحظة شديدة الأهمية لأن إدماج فئات كانت خارج التعليم أو مهمشة سابقًا يمكن أن يكون أحد العوامل المفسرة لانخفاض المتوسط . ومن ثم لا يكفي استخدام المتوسط الخام للحكم على الإصلاح، بل تقتضي القراءة الموضوعية والشاملة للنتائج النظر في عدد من التقاطعات من بينها: نسبة التغطية والالتحاق، ومتوسط الأداء، ونسبة بلوغ الحد الأدنى، الأداء المعدل بالتغطية لجميع من هم في سن الخامسة عشرة. وقد أشار تقرير بيزا 2025 إلى أن التوسع في الإدماج يفسر جانبًا مهمًا من اتجاهات المغرب، مع التنويه إلى أن تراجع القراءة ظلّ قائمًا حتى بعد مراعاة هذا العامل.  أما في ما يتعلق بالإنصاف فقد تراجع أداء الطلبة المغاربة المحرومين 13 نقطة بينما ارتفع أداء الميسورين 5 نقاط، وبذلك اتّسعت الفجوة 18 نقطة؛ وهي أكبر درجة تمّ تسجيلها في المجموعة العربية، مما يدلّ على تمركز التراجع في الشريحة الدنيا.

-         - تنطبق ملاحظة التغطية على لبنان؛ إذ ارتفعت تغطية الفئات المهمشة مقارنة بعام 2015، كما لم تشمل النتائج محافظتين من الأكثر تأثرًا بالنزاع. ولذلك لا تعكس النتائج الصورة الكاملة للوضع التعليمي اللبناني. وفي ما يتعلق بالإنصاف، ظهرت فجوة كبيرة بين الطلبة غير المهاجرين (408) وذوي الخلفية المهاجرة (322) تبلغ 87 نقطة، وهي من أكبر الفجوات المسجّلة عالميًا؛ وتستدعي هذه النتيجة اهتماما أكبر بتعليم الأطفال اللاجئين.
 

5.1 فلسطين: قراءة النتائج في سياق الاستثناء لا في سياق الترتيب

-         تراجعت النتائج الفلسطينية في العلوم والرياضيات مقارنة بعام 2022، وبقيت القراءة قريبة من مستواها السابق. لكن نتائج 2025 لم تشمل المدارس الأكثر تأثرًا بالنزاع، وقد أعادت الدراسة حساب نتائج 2022 وفق التغطية نفسها لتحقيق قابلية المقارنة. وقد شمل تراجع الأداء فئة المحرومين (‑6) وفئة الميسورين (‑12)، مما يظهره كاتجاه عام يرتبط بأثر صدمة نظامية أكثر منه أثر سياسة تعليمية.

-         وتجدر الملاحظة أن التراجع المسجل لا يمثل تقديرًا كاملًا لحجم الفاقد التعليمي في جميع المناطق. وقد تكون النتائج المنشورة أقل حدة من الواقع الكلي بسبب استبعاد البيئات الأكثر تضررًا. وهذا استنتاج تحليلي ينبغي التعامل معه بحذر، وليس نتيجة مباشرة يثبتها الاختبار
 

6.1  إقليم كردستان يمثل خط أساس لا اتجاهًا زمنيًا

كانت مشاركة إقليم كردستان – العراق في 2025 هي الأولى، واقتصرت العينة على المدارس الحكومية التي تضم أكثر من 90% من طلبة هذه الفئة العمرية. لذلك تمثل النتائج خط أساس لبناء الإصلاح وقياس الدورات اللاحقة، ولا يجوز وصفها بأنها تراجع أو تحسن.

وتظهر النتائج أن 19% فقط بلغوا المستوى الثاني فأعلى في العلوم، و7% في كل من القراءة والرياضيات؛ ما يجعل بناء المهارات الأساسية أولوية عاجلة تتقدم على أي انشغال بالترتيب الدولي.  كما تم تسجيل وأضيق فجوة بين الميسورين والمحرومين (19 نقطة فقط مقابل 85 في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي) إلا أن ضيق الفجوة مردّه وجود الأغلبية عند المستوى المنخفض.
 

7.1 خصوصية قطر والإمارات تستلزم تحليلًا سكانيًا مختلفًا

تضم قطر والإمارات نسبة تتجاوز 50% من الطلبة ذوي الخلفية المهاجرة وفق تعريف  بيزا، وهو تعريف يعتمد على بلد ميلاد الوالدين، ولا يطابق بالضرورة مفاهيم الجنسية أو المواطنة المستخدمة محليًا. وتظهر البيانات الخام تفوق الطلبة ذوي الخلفية المهاجرة في العلوم على غيرهم بنحو 94 نقطة في الإمارات و85 نقطة في قطر. لكن هذه الفروق لا ينبغي تفسيرها من خلال «الخلفية المهاجرة» وحدها؛ لأنها قد تعكس اختلافات في القطاع المدرسي، والمنهج، واللغة، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، وسياسات استقدام الأسر.

لذلك ينبغي أن تبني الدولتان تحليلهما الوطني على التقاطعات الآتية:

-         المواطنون وغير المواطنين، وفق التعريف الوطني.

-         الجيل الأول والجيل الثاني من المهاجرين، وفق تعريف PISA.

-         لغة المنزل ولغة التدريس والاختبار.

-         المدارس الحكومية والخاصة والدولية.

-         نوع المنهج والمنطقة والوضع الاجتماعي والاقتصادي.

وتؤكد دراسة بيزا أن نتائج قطر والإمارات يجب أن تُدرس في سياقها الديموغرافي الخاص، وأن ارتفاع نسبة الطلبة ذوي الخلفية المهاجرة لا يقدم أساسًا للقول إنه يؤدي إلى انخفاض النتائج؛ خاصة في ضوء اختلاف الاتجاهات المسجّلة: في الإمارات وقطر والسعودية بخصوص تفوّق ذوي الخلفية المهاجرة؛ وفي الأردن  يتساوى الطرفان؛ وفي المغرب وفلسطين وكردستان ولبنان يتراجعون  وبفارق حادّ في لبنان (‑87). وهذا يفيد أن أن "لخلفية المهاجرة" في المنطقة العربية ليست فئة تحليلية واحدة، بل تسميةٌ تغطّي واقعين متعاكسين: هجرة عمالية انتقائية في الخليج، ولجوء ونزوح في المشرق والمغرب، وبالتالي يمكن أن يؤدّي الخلط بينهما إلى انزلاق منهجي.
 

2.        أزمة مزدوجة في "قاعدة التعلم" و"قمة التميز"

أظهرت النتائج أن خمسة أنظمة فقط في العالم حقّقت خلال العقد خفضًا في نسبة متدنّي الأداء وارتفاعًا في نسبة المتفوّقين في العلوم معًا وهي تركيا، والإمارات، والجبل الأسود، وقطر، وسلوفاكيا. وبخصوص الدولتين العربيتين المنتميتين لهذه المجموعة كشفت البيانات أن الفجوة تقلصت عبر رفع أداء الشريحة الضعيفة.  وعليه، تكشف النتائج عن تحديين متزامنين: قاعدة واسعة من الطلبة دون الحد الأدنى للكفاية، ونسبة محدودة جدًا من الطلبة في مستويات الأداء العليا.  وهذا يقتضي التركيز على مسارين متوازيين:

-        ضمان حد أدنى للتعلم من خلال تدخلات القراءة والحساب والعلوم الأساسية.

-        وتوسيع قمة التميز من خلال مهام التفكير العليا، والبحث العلمي المدرسي، وبرامج الإثراء، والمسارات المتقدمة، مع إتاحة عادلة لهذه الفرص.

لأنّ التركيز على الحد الأدنى وحده قد ينتج نظامًا متوسطًا لا يمتلك قاعدة كافية للابتكار والبحث والتخصصات العلمية المتقدمة. وفي المقابل، التركيز على المتفوقين وحدهم يرفع المتوسط من دون معالجة الإقصاء التعليمي. وبالتالي تتطلب المتابعة الدقيقة اعتماد مؤشرَين مستقلين: نسبة من يبلغون المستوى الثاني، ونسبة من يبلغون المستويين الخامس والسادس؛ لأن المتوسط العام يمكن أن يخفي حركة طرفي التوزيع.
 

3.            تراجع الفجوات لا يعني بالضرورة الإنصاف

من أهم ما كشفت عنه نتائج بيزا هو كسر الاعتقاد بأن انخفاض أثر الوضع الاجتماعي والاقتصادي دليلًا تلقائيًا على الإنصاف، حيث بيّنت أنه يمكن أن تكون الفجوة صغيرة بسبب تقارب جميع الفئات حول أداء منخفض، وهو ما يمكن وصفه بـ"انضغاط الأداء عند القاع". فعلى سبيل المثال، يفسر الوضع الاجتماعي والاقتصادي نسبة محدودة من تباين الأداء في بعض الأنظمة منخفضة النتائج، لكن ذلك يتزامن مع انخفاض شديد في نسب بلوغ الكفاية. وهذا يقتضي تعريف الإنصاف إجرائيا وفق بعدين معًا:

-        العدالة النسبية: ما حجم الفجوة بين الفئات؟

-        العدالة المطلقة: هل تبلغ الفئات الأقل حظًا حدًا مقبولًا من الكفاية؟

وبالتالي ا ليس لنظام المنصف هو الذي تتساوى فيه الفئات عند مستوى منخفض، بل النظام الذي يحقق أداءً مرتفعًا وفجوات محدودة. كما يجب عدم تفسير تضيق الفجوات باعتباره تحسنًا تلقائيًا؛ فقد أوضح تقرير PISA 2025 أن بعض الفجوات الاجتماعية والاقتصادية ضاقت في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي  بسبب تراجع أداء الفئات الأكثر حظًا، لا بسبب تحسن الفئات الضعيفة.

ويبيّن الشكل رقم2 تغيّر أداء العلوم في الدول العربية بين 2022 و2025 بحسب الفئة الاجتماعية–الاقتصادية، حيث ضاقت الفجوة بين الميسورين والمحرومين في الإمارات والأردن وقطر وفلسطين، واتّسعت في السعودية والمغرب. علما أن غياب لبنان وإقليم كردستان لعدم توفّر بيانات المقارنة بين الدورتين.

الشكل 2. تغيّر أداء العلوم بين 2022 و2025 بحسب الفئة الاجتماعية–الاقتصادية. إعداد الورقة استنادًا إلى الجدول I.2.
 

4.       مفارقة الدافعية والانخراط: الطموح مرتفع، والفضول منخفض

يقدّم دورة بيزا 2025 مؤشّرات للدافعية والفاعلية والتكيّف. وكانت نتائج الدول العربية المشاركة متّسقة ومقلقة في آن واحد؛ حيث برزت ثلاثة أنماط:

-        تشكل "تحديد الأهداف وطلب المساعدة" نقطتي قوّة إقليمية؛ حيث تجاوزت درجات الدول العربية   متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي (+0.20 إلى +0.56). وهذا يدلّ، خلافا لما هو شائع، أن الطموح التعليمي ليس المشكلة

-        في المقابل يظهر "الفضول والمثابرة " كنقطتي ضعف، وبتفاوت حادّ داخل المنطقة؛ حيث جاءت الإمارات والسعودية فوق متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي عكس الأردن وفلسطين والمغرب (الفضول ‑0.26 إلى ‑0.34). وهذه مسألة تستوجب الدرس لأنها توحي بأن الرغبة في النجاح تتجاوز الرغبة في المعرفة، ويأن القدرة على تحديد الأهداف تتجاوز مستوى المثابرة على تحقيقها.

-        وتبرز "التصوّرات عن طبيعة العلم" كأضعف المؤشّرات العربية على الإطلاق (‑0.48 في فلسطين، ‑0.47 في كردستان، ‑0.45 في لبنان، ‑0.40 في الأردن، ‑0.33 في المغرب). ويعكس ذلك وجود ضعف في فهم كيفية بناء الافتراضات العلمية وتبريرها والتحقق منها وصولا إلى تشكّل الإجماع العلمي. وهذا يستدعي تعديل تصورات الطلبة من النظر إلى العلوم كمادة للحفظ إلى كونها تمشيات استقصائية Investigation وطريقةً في التحقّق.

-        يلاحظ أنّ "الاستجابات المتعجّلة" تتجاوز متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (8.9%) في ستة من سبعة أنظمة متاحة، وتبلغ 22.5% في لبنان و17.9% في فلسطين و16.4% في قطر.
 

الشكل 3. الطموح مرتفع والفضول والتصوّر العلمي منخفضان. إعداد الورقة استنادًا إلى الجدول I.4.
 

5.       القراءة هي البنية التحتية للتعلم في عصر الذكاء الاصطناعي

تراجعت القراءة في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي بنحو 28 نقطة بين 2015 و2025، وهي أكبر خسارة بين المجالات الرئيسة. كما ارتفعت نسبة «القراء المتعجلين» الذين يقدمون إجابات سريعة وغير صحيحة، وانخفض الجهد الذي أفاد الطلبة بأنهم بذلوه في الاختبار. وتشير تحليلات التقرير إلى أن التراجع لا يبدو مجرد خلل قياسي؛ بل يرتبط بضعف القدرة على القراءة المتأنية، والمحافظة على الانتباه، والمثابرة أمام النصوص الصعبة. وهذه القدرات جزء أصيل من مفهوم الكفاية القرائية، وليست عاملًا خارجيًا عنها. وقد أشار تقرير بيزا إلى بروز 3 ظواهر مهمّة بين 2018 و2025،:

−       التراجع وقع في مهام القراءة التي تتطلّب عمليات عليا: التقييم والتأمّل، والتكامل بين معلومات متعدّدة.

−       التراجع في الفقرات ذات النص الطويل أكبر منه في النصوص القصيرة والمتوسطة.

−       حالات «القراءة المتعجّلة» تضاعفت تقريبًا لتبلغ 9%.

أي أن الضعف ليس في القراءة بمعنى فكّ الترميز، بل القراءة بمعنى الحكم والمثابرة على نصّ طويل.
 

وفي ما يتعلق بالدول العربية فقد انخفض أداء الأردن في القراءة المتعجّلة هو الوحيد الذي ارتفعت قراءته ارتفاعًا كبيرًا (+20)؛ والمغرب الأعلى ارتفاعًا في التعجّل (+6.0) هو الأشدّ تراجعًا في القراءة (‑18).  وفي ضوء انخفاض القراءة في معظم الأنظمة العربية المشاركة، ينبغي ألا تبقى تنمية القراءة مسؤولية معلم اللغة وحده، بل تتحول إلى سياسة عابرة للمناهج تشمل:

-     قراءة النص العلمي وتفسير الأدلة في العلوم.

-     فهم المسألة اللفظية في الرياضيات.

-     المقارنة بين المصادر والتحقق من موثوقيتها.

-     التمييز بين الحقيقة والرأي والادعاء والدليل.

-     التدريب على النصوص الرقمية الممتدة والمتعددة المصادر.

-     بناء قدرة الطلبة على الانتباه المستدام والقراءة المتعمقة.

هذه الأولوية تزداد أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ لأن القدرة على تقييم المخرجات الآلية تعتمد أساسًا على امتلاك كفاية قرائية ومعرفية سابقة، لا على إجادة كتابة الأوامر وحدها.
 

6.       التقنية والذكاء الاصطناعي: من عدّ الأجهزة إلى جودة الاستخدام

تظهر بيانات بيزا أن الاستخدام المحدود أو المعتدل للأجهزة لأغراض التعلم يرتبط غالبًا بنتائج أفضل، بينما يرتبط الاستخدام الترفيهي في المدرسة لأكثر من ساعة يوميًا بأداء أدنى. كما أفاد 28% من الطلبة في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي بأن زملاءهم يتشتتون بالأجهزة الرقمية في معظم حصص العلوم أو جميعها. أما استخدام الذكاء الاصطناعي، فصورته أكثر تعقيدًا؛ فقد أظهرت النتائج جملة من الاتجاهات:

-        الاستخدام الأسبوعي العام للمساعدة على التعلم يرتبط بأداء قريب من غير المستخدمين بعد ضبط الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

-        بعض الاستخدامات المحددة، مثل تلخيص النصوص أو إعداد المسودات أو البحث الأولي، ارتبطت بأداء أدنى.

-        الفرص المدرسية لبناء الثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي أكثر توافرًا لدى الطلبة الميسورين، بما ينذر بفجوة رقمية من نوع جديد.

-        لا تسمح هذه البيانات بإثبات أن الذكاء الاصطناعي أو حظر الهواتف يسببان تحسن الأداء أو انخفاضه.
 

وبالنظر إلى أداء الدول العربية مقارنة بدول منطقة التعاون الدولي والتنمية الاقتصادية، يتبيّن ما يلي:

-         تقدّم الدول العربية في استعمال الذكاء الاصطناعي مقارنة بمتوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي: سجّلت الإمارات 64.3% استعمالًا أسبوعيًا، والسعودية 53.8% (مقابل 45.5%). وفي التدريب على تقييم المخرجات سجّلت الإمارات 81.7% والسعودية 74.8% ولبنان 73.7%  ( مقابل 62.6%).  

-        تقدّم الدول العربية على دول منطقة التعاون الاقتصادي في مجال "الحوكمة الرقمية المدرسية "(منع الهواتف، الإرشادات الرقمية الخاصة بكل مادة)

-         ظهور فجوة حقيقية في البنية التحتية؛ حيث انخفض مؤشّر قدرة المدارس الرقمية إلى ‑0.83 في فلسطين و‑0.82 في كردستان و‑0.72 في لبنان و‑0.65 في المغرب.  

وعليه، فإن القرار السليم ليس «المزيد من الأجهزة» ولا «الحظر المجرد»، بل بناء سياسة تتضمن:

−       غرضًا تعليميًا واضحًا لكل استخدام رقمي.

−       قواعد صفية تقلل التشتت.

−       مهامًا تضمن بقاء التفكير لدى الطالب.

−       تدريبًا للمعلمين على اكتشاف الاعتماد المعرفي المفرط على الذكاء الاصطناعي.

−       تقويمًا يختبر الفهم والاستدلال والدفاع عن الإجابة.

−       مؤشرات تقيس جودة الاستخدام، لا عدد الأجهزة أو ساعات الاتصال فقط.
 

7.       بيئة التعلّم والدعم

كشفت النتائج التي تناولت عوامل متعلقة ببيئة التعلّم (الأسرية والمدرسية) على نتائج جديرة بالاهتمام، أهمّها:

-        تقدّم عامل " دعم المعلّم " على متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي والتنمية وبفوارق كبيرة (السعودية 0.82 والأردن 0.66 مقابل 0.03). وهو ارتفاع مضطرد منذ 2015  بما يثبت، خلافا لما هو مشاع، أن  الخلل لا يكمن في العلاقة التربوية.

-        في المقابل كان عامل "الدعم الأسري" دون متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي والتنمية في 6 دول عربية من الثمانية المشاركة، وهو في تراجع مقارنة بنتائج بيزا 2022.

-        ظهور أزمة حضور في المدارس: حيث بلعت نسبة الطلبة الذين صرّحوا بعدم تغيّبهم  في السعودية 30.4% ، وفي المغرب 31.9%، وفي قطر 35.8%، وفي فلسطين 40.5% ؛ مقابل 66.1% في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

-        في مقابل انخفاض نسبة الحضور، تسجل السعودية أفضل مناخ انضباطي (0.77) وأقلّ تنمّر (69.3%) وأعلى انتماء مدرسي (0.43) وأعلى تقدير لقيمة التعلّم (71.4%) في المجموعة كلها، وجميعها فوق متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي بفوارق واسعة . و&