بقلم: ريماس الصينية – الصحفية في CGTN العربية
في الصين، إذا واجهتك مشكلة، سواء كان مصباح في الشارع قد تعطل، أو انسداد شبكة الصرف الصحي، أو كان أحد الجيران يزعجك بأعمال بناء في منتصف الليل ، يمكنك الاتصال برقم واحد: ١٢٣٤٥.
هذا الرقم هو الخط الساخن لخدمة المواطنين في كثير من المدن الصينية. فمن بكين إلى شانغهاي، ومن قوانغتشو إلى تشنغدو، أصبحت خدمة ١٢٣٤٥ تغطي تقريبا جميع المدن الصينية. وخلف هذا الرقم توجد آلية تعرف باسم موضوع الاستجابة السريعة للشكاوى العامة، وتقوم فكرتها ببساطة على الاستجابة لمطالب الناس والبدء في التعامل معها فور تلقيها.
من مدينة واحدة إلى أنحاء الصين
بدأت بكين التطبيق الرسمي لنظام الاستجابة السريعة للشكاوى العامة في عام ٢٠١٩، واتخذت من الخط الساخن ١٢٣٤٥ قناة رئيسية، وأنشأت من خلاله آلية للاستجابة السريعة لمطالب المواطنين.
وخلال أكثر من ست سنوات، تلقى هذا الخط في بكين وحدها أكثر من ١٦٠ مليون طلب وشكوى من المواطنين، شملت مختلف جوانب إدارة المدينة، وخدمات الشركات، والحياة اليومية للسكان.
واليوم، لم تعد هذه التجربة مقتصرة على بكين. فقد أنشأت مدن مثل شانغهاي وقوانغتشو وشنتشن وهانغتشو منصات مماثلة تعتمد على الرقم ١٢٣٤٥، لتتشكل بذلك شبكة خدمات تغطي أنحاء البلاد. وقد تختلف التفاصيل التشغيلية من مدينة إلى أخرى، لكن الفكرة الأساسية واحدة: عندما يواجه المواطن مشكلة، لا يحتاج إلى معرفة أي جهة حكومية مسؤولة عنها، بل يكفي أن يجري اتصالا واحدا، وبعد ذلك يتولى النظام تنسيق الأمر بين الجهات المعنية.
كل طلب أو شكوى يتحول إلى ملف عمل مستقل، ضمن آلية متكاملة تبدأ بالتعامل مع الطلب فور تلقيه، ثم تحويله في اليوم نفسه إلى الجهة المختصة، وتحديد مهلة للرد، مع المتابعة والتذكير والإشراف، وصولا إلى الاتصال بصاحب الطلب مجددا لتقييم النتيجة.
ولا يضع الخط قيودا على الأشخاص الذين يتقدمون بطلباتهم، كما يسعى إلى عدم استبعاد الشكاوى من نطاق الاستقبال، بما يضمن إلى أقصى حد حق المواطنين في التعبير عن مشكلاتهم. وفي عام ٢٠٢٥، بلغت نسبة حل الطلبات عبر خط بكين ٩٧٫٣٪، فيما وصلت نسبة رضا المواطنين إلى ٩٧٫٧٪.
ومن السمات المهمة لهذه الآلية أيضا أنها متاحة للجميع، بمن فيهم الأجانب الذين يعيشون في الصين. فمن خلال قسم "١٢٣٤٥ Online" متعدد اللغات على الموقع الدولي لمدينة بكين، يستطيع الأجانب تقديم طلباتهم وشكاويهم بعشر لغات.
وتعد هذه المنصة الوحيدة في الصين التي تدعم التعامل مع طلبات الأجانب بعشر لغات. كما تدخل طلباتهم مباشرة ضمن آلية الاستجابة السريعة للشكاوى العامة، لتخضع لنفس مسار الاستجابة والمتابعة. وقال صحفي من وسيلة إعلام أجنبية زار مركز خدمة الخط الساخن إنه "اندهش من قناة التواصل المريحة والشفافة والفعالة التي يوفرها ١٢٣٤٥ Online للأجانب لتقديم مشكلاتهم ومتابعة حلها".
قصة بطاقة في صالون للأظافر
لدي صديقة تعيش في بكين، وقد واجهت في العام الماضي مشكلة أزعجتها كثيرا.
كانت قد اشترت بطاقة مسبقة الدفع من أحد صالونات الأظافر، وأودعت فيها بضع مئات من اليوانات. وبعد فترة قصيرة، أغلق الصالون أبوابه فجأة، ولم يعد من الممكن التواصل مع صاحبه، ولم تعرف إلى من تتوجه لاسترداد الرصيد المتبقي في البطاقة.
حاولت الاتصال بالصالون عدة مرات، لكن الهاتف كان مغلقا. وسألت أصحاب بعض المحلات المجاورة، لكن أحدا منهم لم يكن يعرف أين ذهب صاحب الصالون.
ثم قال لها أحدهم: جربي الاتصال بالرقم ١٢٣٤٥.
اتصلت بالخط، وسجل الموظف التفاصيل: اسم الصالون، وعنوانه، والمبلغ الذي دفعته، وموعد إغلاقه، ثم أخبرها بأن الشكوى ستحال إلى الجهة المختصة للتعامل معها.
في ذلك الوقت، لم تكن تتوقع الكثير. فالأمر يتعلق ببضع مئات من اليوانات فقط، فهل سيتولى أحد بالفعل متابعة مشكلة صغيرة كهذه؟
بعد بضعة أيام، تلقت اتصالا. كان المتحدث موظفا في الجهة المحلية المختصة بتنظيم السوق والأعمال التجارية، وأخبرها بأنهم تمكنوا من التواصل مع المسؤول عن الصالون، وأنه وافق على إعادة الرصيد المتبقي في البطاقة.
وبعد بضعة أيام أخرى، وصل إليها المبلغ المسترد.
بضع مئات من اليوانات ليست مبلغا كبيرا، لكن هذه التجربة جعلتها تتذكر رقما واحدا: ١٢٣٤٥.
وقصص كهذه تحدث كل يوم. مصباح شارع لا يعمل، وباب مدخل مبنى سكني لا يغلق، وطريق تتجمع فيه المياه، واتصال لطلب المساعدة من شخص مسن يعيش بمفرده... ما تفعله آلية الاستجابة السريعة للشكاوى العامة هو منح هذه المطالب التي قد تبدو صغيرة وعادية فرصة لأن تسمع وتحصل على استجابة.
المنطق وراء خط ساخن واحد
قد تبدو فكرة الاستجابة السريعة للشكاوى العامة بسيطة لمن ينظر إليها من الخارج: رقم هاتف واحد، ونظام لتحويل الطلبات إلى الجهات المختصة، وآلية للمتابعة بعد ذلك. لكن تشغيلها يعتمد في الواقع على منظومة متكاملة من أساليب إدارة المدينة.
أولا، تخفض هذه الآلية الحاجز أمام المواطن العادي للتعبير عن مطالبه. فلا يحتاج إلى معرفة هيكل الجهات الحكومية أو تحديد الإدارة المسؤولة عن مشكلته، ولا يحتاج إلى كتابة طلب رسمي. كل ما عليه هو أن يرفع الهاتف ويشرح مشكلته بوضوح.
ثانيا، تعتمد الآلية "نسبة حل المشكلات" و"نسبة رضا المواطنين" كمؤشرين أساسيين للتقييم. وهذا يعني أن لكل طلب نتيجة واضحة وردا يجب أن يصل إلى صاحبه، بدلا من أن ينتهي الأمر بمجرد مكالمة هاتفية لا يعرف صاحبها ماذا حدث بعدها.
وأخيرا، تحولت هذه الآلية البيانات إلى مورد لتحسين إدارة المدينة. فالخط الساخن يجمع عددا هائلا من سجلات الطلبات والشكاوى، ويمكن للنظام تحليلها لاكتشاف المشكلات المتكررة والمشكلات الموسمية، بما يسمح بتوقع بعضها مسبقا والتحرك لحلها قبل أن تتفاقم.
فعلى سبيل المثال، كشفت بيانات الشكاوى خلال موسم التدفئة في بكين أن بعض الأحياء السكنية تكرر كل شتاء الإبلاغ عن ضعف التدفئة. لذلك بدأت الجهات المعنية أعمال الفحص والصيانة مسبقا خلال فصل الصيف، لتتحول طريقة التعامل من "ظهور المشكلة في الشتاء ثم حلها" إلى "الاستعداد في الصيف وتقليل الشكاوى في الشتاء".
حين تستجيب المدينة لصوتك
في بكين، يستقبل هذا الخط الساخن نحو ٧٠ ألف مكالمة يوميا. وخلف كل مكالمة شخص حقيقي، ومشكلة حقيقية.
هذه الآلية ليست مثالية. فهي تعمل في مدينة يتجاوز عدد سكانها ٢٠ مليون نسمة، وستظل المشكلات دائما كثيرة ومتنوعة. لكنها أرست نوعا من الالتزام الأساسي بين المدينة وسكانها: صوتك سيصل، ومشكلتك ستتم متابعتها، وستعرف في النهاية ماذا حدث بشأنها.
وفي عام ٢٠٢٦، كتب صحفي من وسيلة إعلام أجنبية بعد زيارته مركز خدمة الخط الساخن في بكين عن تجربته قائلا: "إن الترابط الفعال بين تلقي المكالمة وإنشاء ملف الطلب ثم معالجته جعلني ألمس بشكل مباشر سرعة وكفاءة الاستجابة السريعة للشكاوى العامة".
وربما تكون هذه هي أبسط دلالة لهذا الخط الساخن: في مدينة ضخمة، يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تجعل المدينة تسمع صوتك.
وفي الصين اليوم، أصبح هذا الرقم متاحا في أكثر من مدينة وليس مدينة واحدة فقط.