الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ سبتمبر-٢٠٢٦       1265

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي 

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، لم يعد الرأي العام متفرجًا على المشهد؛ بل صار جبهةً موازية له. فخبرٌ ملتبس قد يزرع القلق، ومقطعٌ مجتزأ قد يقلب المعنى، وكذبةٌ متقنة قد تُدفع إلى الناس حتى تبدو حقيقةً لا تقبل الشك.

لقد منح الإعلام المفتوح الجميع حق الكلام، لكنه لم يمنح أحدًا حق العبث بالحقيقة. وبين حرية الرأي وفوضى الادعاء حدٌّ فاصل اسمه المسؤولية؛ فليس كل ما يُنشر خبرًا، وليس كل ما يتكرر حقيقة، وليس كل من رفع صوته صاحب بصيرة.

وتأتي الوسائل الذكية اليوم بسلاحين متقابلين: سلاحٌ يكشف الزيف ويقرّب المعلومة الموثوقة، وسلاحٌ آخر يصنع صورةً مزيفة أو صوتًا مقلدًا أو مشهدًا مفبركًا، ثم يقدمه للناس بإخراجٍ متقن ولغةٍ واثقة. لذلك لم تعد المشكلة في غياب الخبر، بل في زحامه واختلاطه، وفي سرعة الشائعة التي قد تسبق الحقيقة إلى آلاف العقول.

ويزداد الخطر حين يُسخَّر الذكاء الاصطناعي لترويج رأيٍ مزيّف؛ فيُصنع صوتٌ لا يتكلم، وصورةٌ لا أصل لها، ومشهدٌ لم يقع، ثم يُضخّ في المنصات حتى يختلط على المتلقي الواقع بالمصطنع. فالذكاء الاصطناعي في ذاته أداةٌ عظيمة النفع، غير أن تحويله إلى مصنعٍ للإيهام والتأثير الخفي يجعل من الوعي البشري خطَّ الدفاع الأول؛ إذ لا تنفع التقنية إذا غاب العقل الذي يفحصها، ولا ينجو الرأي العام إذا سلّم مفاتيحه لكل ما يراه أو يسمعه.

إن التخرصات والتلفيقات والتشويه الممنهج لا تستهدف حدثًا عابرًا فحسب؛ بل تستهدف الثقة: ثقة المواطن بوطنه، ومؤسساته، ومنجزاته، وقدرته على التمييز. وصانع الإشاعة لا ينجح بقوة كذبته وحدها، بل ينجح كلما وجد من يحملها وينشرها بلا سؤال. وأفضل ردٍّ عليه ألا نكون جيشه المجاني: فلا نرددها، ولا نزينها بتعليق، ولا نمنحها عمرًا جديدًا تحت ذريعة: «وصلني» أو «يُقال».

وقد رسم القرآن منهجًا جامعًا في قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فالتبين ليس ترفًا في زمن الأزمات، بل أمانةٌ دينية ووطنية. أن نتبين يعني ألا نستعير غضبنا من أحد، وألا نسمح لمجهولٍ أن يصنع مواقفنا، وأن نسأل عن المصدر والدليل والسياق قبل أن نطلق الأحكام.

والرأي العام، كالجسد، يحتاج إلى تطعيمٍ فكريٍّ يحميه من أمراض الشائعة والتلفيق والتشويه. وهذا التطعيم لا يُؤخذ في لحظةٍ عابرة، بل يُبنى بالمعرفة، وبحسن قراءة المصادر، وبتمييز الرأي من الخبر، والنقد من التشهير، والحقيقة من المظهر المصنوع. فكلما ارتفعت مناعة المجتمع الفكرية، ضعُفت في داخله عدوى الكذب، وسقطت محاولات التضليل قبل أن تتحول إلى رأيٍ سائد.

وهنا تتكامل المسؤوليات: فالإعلام المسؤول مطالبٌ بأن يقدّم الدليل قبل الإثارة، والوعي قبل السبق، والمصلحة العامة قبل مكاسب المشاهدة. والمؤسسات التعليمية والثقافية مطالبةٌ بأن تُعلّم أبناءها كيف يقرأون المنصات لا كيف يستخدمونها فحسب؛ كيف يسألون عن المصدر، ويكتشفون المبالغة، ويقاومون الإغراء العاطفي الذي تتغذى عليه الشائعات.

أما النقد فهو حقٌّ وضرورة، لكنه يختلف عن التشويه. فالنقد الشريف يصف الخلل ليصلحه، ويعرض حجته ليقنع، ويحفظ للمخالف كرامته؛ أما التشويه فيبدأ بحكمٍ جاهز، ثم يبحث عن واقعةٍ تناسبه. والنقد يبني الرأي العام، بينما التشويه يفسده ويحوّله إلى سوقٍ للغضب والريبة.

إن الرأي العام النزيه لا يعني أن تتشابه الأصوات، بل أن تختلف بوعيٍ وعدلٍ واحترام. فالوطن لا تحميه الحدود وحدها؛ بل تحميه أيضًا عقولٌ لا تُستدرج، وألسنةٌ لا تُؤجَّر، وقلوبٌ تعرف أن الحقيقة مسؤولية، وأن الكلمة إما أن تكون جسرًا للوعي، أو ثغرةً ينفذ منها الفساد.