الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ سبتمبر-٢٠٢٦       3080

بقلم : جمعان الكرت  

في ذاكرة الباحة، للمصراع حكاية لا تشبه الحكايات العابرة؛ فهو الباب الخشبي الكبير الذي كان يفصل البيت عن خارجه، ويحفظ خصوصيته، ويستقبل القادمين إليه. وكان المصراع، وجمعه مصاريع، بوابة المنزل الأولى، وعتبته التي يعبر منها الأهل والضيوف، حاملاً في تفاصيله شيئًا من ذاكرة البيوت الحجرية ودفء الحياة القديمة.

ولعل هذا المعنى هو ما منح اختيار الإعلامي محمد دخيل الله الزهراني اسم «مصراع» لبودكاسته دلالة تتجاوز التسمية إلى الفكرة؛ فالمصراع الذي كان يُفتح على البيت، أصبح هنا يُفتح على الإنسان، وعلى تجربته وفكره وذاكرته.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تأتي جمالية «مصراع»؛ فهو ليس مجرد برنامج حواري يستضيف شخصيات معروفة، وإنما نافذة إعلامية تُفتح بهدوء على عوالم الضيوف، ويدخل منها المقدم إلى مناطق مختلفة من تجاربهم، بأسئلة ذكية ومتنوعة، تبتعد عن المباشرة المألوفة، وتمنح الضيف مساحة واسعة للحديث والتأمل واستعادة بعض ما اختزنته الذاكرة.

وقد أحسن محمد دخيل الله في بناء هذه التجربة منذ اختيار ضيوفه، فاستضاف أسماء تنتمي إلى مجالات وتجارب متعددة، من البروفيسور محمد الحيزان والشاعر حسن الزهراني، والدكتور محمد الشاوش، والاستشاري صالح عباس، والدكتور ضيف الله الغامدي، والدكتور عبد الرحيم الحقيب والدكتور سعيد عيدان، والدكتور سعيد مرطان والمستشار عبدالله حجر والدكتور عيد الزهراني والأستاذ محمد عبدالرحمن والخطاط منصور مديس والمخترع فراس الغامدي وغيرهم من الشخصيات التي أضاف حضورها تنوعًا معرفيًا وإنسانيًا إلى البرنامج.

ولم يكن التنوع في الضيوف مجرد تنوع في الأسماء، بل تنوع في التجارب والمجالات والموضوعات؛ الأمر الذي منح «مصراع» قدرة على مخاطبة شرائح مختلفة من المتابعين، وجعل كل حلقة تفتح بابًا جديدًا من أبواب المعرفة والحوار.

وحين نتحدث عن تجربة «مصراع»، فإن الأرقام أيضًا تتحدث؛ فقد اقتربت مشاهداته من عشرة ملايين مشاهدة، وهو حضور رقمي لافت بالنسبة إلى تجربة إعلامية نشأت خارج الأطر التقليدية للإنتاج التلفزيوني، واعتمدت بدرجة كبيرة على جهد صاحبها وإيمانه بفكرته.

والأهم من الرقم ذاته هو السؤال الذي يقف خلفه: كيف استطاع مشروع إعلامي فردي أن يصل إلى هذا العدد الكبير من المشاهدين وفي زمن قصير ؟

الإجابة، في تقديري، تكمن في أن محمد دخيل الله أدرك مبكرًا أن الجمهور لا يبحث دائمًا عن وفرة الإمكانات، بقدر ما يبحث عن الفكرة الجيدة، والحوار الصادق، والضيف المناسب، والصورة التي تحترم عين المشاهد.

وهنا تظهر قيمة التجربة؛ فقد جمع محمد دخيل الله بين أدوار المعد والمقدم والمخرج، ولم يكتفِ بالظهور أمام الكاميرا، بل ظل حاضرًا خلفها، في اختيار الضيف، وإعداد الأسئلة، وبناء الحلقة، ومتابعة تفاصيلها الإخراجية والفنية.

كما أسهم التعاون مع فندقي ساكورا سيتي ومدينة سحاب، إلى جانب مشاركة مصورين محترفين، في منح البرنامج حضورًا بصريًا مناسبًا لطبيعته، وأكد أن الإمكانات حين تُدار بوعي يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا.

ولعل أجمل ما في تجربة «مصراع» أنها تقدم درسًا في صناعة النجاح الإعلامي: ليست الإمكانات وحدها هي التي تصنع المشروع، وإنما الفكرة حين تجد صاحبها الذي يؤمن بها، ويمنحها وقته وجهده وشغفه.

لقد استطاع محمد دخيل الله الزهراني أن يحول «مصراع» من عنوان مستلهم من ذاكرة المكان إلى مشروع إعلامي له هويته وحضوره وجمهوره، وأن يجعل من الباب القديم الذي كان يفتح على البيت رمزًا لباب جديد يُفتح على الفكر والثقافة والتجربة الإنسانية.

ومن هنا فإن ما حققه «مصراع» لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد أرقام للمشاهدة، وإنما بوصفه تجربة إعلامية محلية استطاعت أن تجد طريقها إلى جمهور واسع، وأن تثبت أن المحتوى الجيد يمكن أن يتجاوز حدود المكان متى ما امتلك أدواته ورسالة واضحة.

مبارك للصديق محمد دخيل الله الزهراني هذا النجاح المتتابع، ومبارك لـ«مصراع» هذا الحضور اللافت. وكل التقدير لهذا الجهد الذي يقف خلفه إعلامي آمن بفكرته، وراهن على جودة ما يقدم، فكانت النتيجة مشاهدات مليونية وحضورًا يستحق الاحتفاء.

والطموح، كما أعرف محمد دخيل الله، لا يتوقف عند ما تحقق؛ فالمراحل القادمة يمكن أن تحمل لـ«مصراع» مساحات أوسع، وضيوفًا أكثر تنوعًا، وتجارب جديدة، ليظل هذا المصراع مفتوحًا على المعرفة، وعلى الإنسان، وعلى حكايات تستحق أن تُروى.

 

مع خالص التهنئة، وبانتظار نسخة جديدة أكثر اتساعًا وتألقًا..