بقلم ـ د. غالب محمد طه
قبل نحو شهرين، تشرفت بمقابلة صاحب السمو الأمير عبد الرحمن بن عبدالله بن فيصل، محافظ حفر الباطن، لأهديه كتاب «حفر الباطن.. جوهرة الصحراء وعاصمة الربيع»، الذي جاء كمبادرة ثقافية لتوثيق المدينة.
تصفح سموه الكتاب، ثم رفع رأسه وسألني:
كم سنة لك في حفر الباطن؟
قلت: لم أكمل خمس سنوات بعد.
بدت عليه الدهشة.
خمس سنوات فقط.. وتكتب كتابًا عن الحفر؟
ابتسمت وقلت:
إنه الشغف.
كانت إجابة تلقائية. قلتها ومضى الحديث.
لكن السؤال عاد إليّ هذه الأيام من مكان آخر تمامًا.
أرسلت إليّ أم أحمد، وهي صديقة سودانية، تسجيلًا صوتيًا بعد أن قرأت أحد مقالاتي. تحدثت عن المقال، ثم سألتني بعفويتها: لماذا تحضر السعودية كثيرًا في كتاباتك؟ هل لأنك تعيش فيها؟ أم لأنك تكتب في صحفها؟
أجبتها بتسجيل صوتي، وقلت كلامًا كثيرًا. وبعد أن أرسلته، تذكرت سؤال محافظ حفر الباطن، وفكرت أن إجابتي يومها كانت صحيحة، لكنها لم تكن كاملة.
الشغف موجود بالتأكيد. فمن الصعب أن يقضي الإنسان وقتًا في قراءة مدينة، والبحث في تاريخها وجمع حكاياتها وتفاصيلها، إذا لم يكن هناك شيء يشده إليها.
لكن سنوات العمل والبحث الأكاديمي تركت فيَّ عادة أخرى: أن أتوقف أمام الأشياء وأسأل. لماذا حدث هذا؟ كيف بدأ؟ ماذا كان هنا من قبل؟ وهل ما أراه حقيقة يمكن أن أجد ما يسندها، أم أنه مجرد انطباع صنعه القرب؟
ربما لهذا، حين استوقفتني رؤية السعودية 2030 قبل سنوات، لم أكتفِ بمتابعتها. ذهبت إلى المساحة التي أعرفها: الإعلام والاتصال والصورة الذهنية. كان السؤال بالنسبة إليّ مهنيًا في البداية: كيف يمكن لمشروع تحول بهذا الحجم أن يعيد تشكيل صورة بلد عن نفسه وصورته لدى الآخرين؟
ومع الوقت تحول السؤال إلى كتاب.
ثم جاءت حفر الباطن بطريقة مختلفة.
كانت في البداية مدينة أعيش فيها. وبعد فترة بدأت أقرأ عنها، وأسأل عن تاريخها، وألتفت إلى حكايات الناس وتحولات المكان وما يمكن أن يضيع من ذاكرته إذا لم يُكتب. ثم وجدت أمامي مادة تستحق أن تُجمع، فتحولت إلى كتاب.
وجاء سؤال أم أحمد مع حلول اليوم الوطني السعودي، فوجدتني أنظر إلى الأمر من زاوية أخرى: ماذا يستطيع شخص جاء إلى هذا البلد من خارجه أن يقول عنه في يومه الوطني؟
لن أستطيع بالطبع أن أتحدث عن السعودية كما يتحدث عنها السعودي.
هو يملك ذاكرة لا أملكها. فيها البيت والأهل والطفولة والمدرسة، وفيها حكايات سمعها من آبائه، وأماكن عرفها قبل أن أعرف أنا أسماءها. وحين يقول «الوطن» فخلف الكلمة عمر كامل.
أنا أملك ذاكرة أخرى.
ربما أسميها ذاكرة القادم.
ذاكرة الإنسان الذي يرى المكان للمرة الأولى، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا في التعرف إليه. يلاحظ أشياء قد تبدو عادية لمن عاش معها طويلًا، ويسأل أحيانًا أسئلة يعرف ابن المكان إجاباتها منذ سنوات.
ولهذه العين ميزتها، ولها أخطاؤها أيضًا.
فالقادم قد يرى ما لم يألفه بعد، لكنه قد يسيء فهم ما لا يعرف جذوره. وربما لهذا كنت أعود دائمًا إلى البحث لأختبر انطباعي.
حين كتبت قبل سنوات عن رؤية 2030، كنت أقرأ مشروعًا ما زال كثير من أهدافه في المستقبل. واليوم، إذا أردت إعادة الكتاب إلى القارئ، أحتاج إلى مراجعته من جديد؛ لأن الواقع نفسه تحرك، وبعض الأسئلة التي طرحتها وقتها أصبحت لها إجابات، وظهرت أسئلة لم تكن موجودة أصلًا.
وهذا مثير للباحث: أن تعيش داخل موضوع كنت تدرسه وهو يتغير أمامك.
لكن التحول الذي استوقفني لم يكن في المشروعات وحدها.
هناك أيضًا حراك فكري وإعلامي وثقافي يصعب على من يهتم بالأفكار ألا يلاحظه. صحف تستضيف أصواتًا من خلفيات مختلفة، وجامعات ومؤتمرات ومنتديات، ومبادرات تبدأ أحيانًا من فكرة صغيرة ثم تجد من يسأل صاحبها: وكيف يمكن تنفيذها؟
وأجد في هذه المساحات ما يستوقفني بقدر ما تستوقفني تحولات المدن؛ ففيها أتابع كيف تجد الأفكار طريقها إلى النقاش والعمل.
ومع ذلك، يبقى في سؤال أم أحمد شيء لا تجيب عنه الكتب والمقالات وحدها: ماذا أصبحت السعودية تعني في ذاكرة شخص جاء إليها من خارجها؟
بالنسبة إليّ، لا أحتاج إلى إجابة كبيرة.
يكفيني أن أعود إلى حفر الباطن.
أتيت إلى هذه المدينة ولم أكن أعرف أنني سأكتب عنها يومًا. ومع الأيام، أصبحت لشوارعها ألفة، وللأناس الذين عرفتهم فيها مكان في ذاكرتي. وحين حملت الكتاب إلى محافظها، كنت أحمل شيئًا من السنوات التي عشتها فيها أيضًا.
ربما تكون هذه حكايتي الصغيرة مع اليوم الوطني السعودي: أن يترك البلد في ذاكرة من جاء إليه من بعيد ما يستحق أن يُكتب.
ومن حفر الباطن، التي صار لها مكان في ذاكرتي، أهنئ القيادة السعودية والشعب السعودي بيومهم الوطني، متمنيًا لهذا البلد وأهله دوام الأمن والخير والازدهار.
ولهذا، حين أتذكر الآن دهشة سمو المحافظ وسؤاله:
خمس سنوات فقط؟
أفهم السؤال بصورة مختلفة.
خمس سنوات ليست زمنًا طويلًا في عمر مدينة، وبالتأكيد ليست شيئًا في عمر وطن.
قلت يومها:
إنه الشغف.
ولو سألني سموه السؤال نفسه في اليوم الوطني، فلن أغير إجابتي.
سأضيف فقط:
وكان للمكان نصيبه من الحكاية.
.