الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ سبتمبر-٢٠٢٦       5665

بقلم ـ حسين السنونة

ظفار؛ ذلك السحر الذي لا ينتهي. سبعة أيام لم تكن كافية لأرتوي من جمالها المتجدّد يومًا بعد يوم؛ جبالٌ وشلالاتٌ وخضرةٌ تمتد باتساع الأرض، وحيثما ولّيت وجهك تجد الشاب العُماني النشيط، والشابة الطموحة التي لا سقف لأحلامها.

كنت ضيفًا على مهرجان  ظفار  الدولي للمسرح، ولم أشعر هناك بغربةٍ أو خوفٍ أو قلقٍ من الغد. بدأت رحلتي من مطار الدمام إلى مسقط، وصولًا إلى صلالة، وكان شوقي عارمًا لرؤية  ظفار  الأم وابنتها صلالة عن كثب، بعيدًا عمّا تناقله الأصدقاء؛ لأكتشف أن ما وصفوه لم يكن إلا واحدًا في المئة مما رأيت.

كرمٌ في كل شيء، وطيبةٌ تغمر كل من تقابله. وقفت بجانب إحدى العيون، ونظرت إلى السماء، ثم تنفست بعمق وقلت: «مرحبًا بظفار الأم، وكيف حالك يا صلالة الابنة؟». شعرت كفارسٍ عاد منتصرًا من معركته؛ ليغرس سيفه في خاصرة الصحراء.

وبحكم كوني ممن يشتغلون بفن القصة، سعدت بلقاء زملائي القاصّين، وتبادلنا أطراف الحديث، كما التقيت شعراء كانوا قمّةً في الثقافة والأدب، ومسرحيين أعرفهم منذ سنوات، يفيضون فخرًا بوطنهم ومهرجاناتهم، وجالست نقادًا ملهمين ومبدعين.

الدكتور أحمد الغساني، رئيس بلدية ظفار، لم يكن مجرد مسؤولٍ رفيع، بل كان تجسيدًا للإنسانية والنبل والتواضع والثقافة. وعند اختتام المهرجان، بادر بخطواتٍ تفيض مودةً للسلام على جميع الضيوف، فردًا فردًا، دون استثناء، بابتسامةٍ صادقة وحديثٍ ودي مع الجميع.

حين عرّفته بنفسي قائلًا: «أنا حسين، صحفي من السعودية، وقد تواصلنا هاتفيًا قبل المهرجان»، بادرني بعناقٍ حار وكلماتٍ ترحيبية دافئة. وحين اعتذرت منه، خشية أن أكون قد أزعجته، أجابني بلطف: «لا يا أستاذي، أبدًا، نتشرف بك وبكم جميعًا في بلدكم».

وعندما حان وقت تناول الطعام، رفض الدكتور أحمد أن يبدأ قبل الضيوف، ورغم إصرارهم على تقدّمه، ظل مصرًّا على موقفه إلى أن بدأ الضيوف بالتقدّم؛ خجلًا من أخلاقه العالية، وتواضعه الجم، وكرمه الفيّاض.

لقد كانت ليلةً ختامية لا توصف، وستبقى محفورةً في ذاكرة كل من أحب الدكتور أحمد ومحافظة ظفار.

محمود، ومحمد، ومحمد، وعبدالعزيز، ومازن، ومحمود، وسامي، وعمار؛ أتمنى ألا أكون قد نسيت أحدًا منهم. هؤلاء الشباب تعجز الكلمات عن وصفهم، ولا يسعك إلا أن تشيد بإنسانيتهم الرائعة وطيبتهم التي تجمع بين عراقة الماضي وروح الحاضر وكرم الأجداد. يبتسمون دومًا رغم التعب والإرهاق وضغوط العمل اليومي وبرنامج المهرجان، ويحملون قلوبًا لو وُزّعت على العالم لفاضت بالخير.

إنهم يهتمون لأمرك، ويحبونك، ويبادرون إلى خدمتك، بل يدركون ما تحتاج إليه قبل أن تطلبه. ومن أجمل ما حدث أننا كسرنا، منذ الأيام الأولى، حواجز الرسميات، فأصبحنا إخوةً وأصدقاء؛ نسمع بعضنا، ونضحك سويًا، حتى توطّدت بيننا أواصر الصداقة والمحبّة الإنسانية الصادقة.

لكننا كنا نعيش في ترقّبٍ لصدمةٍ نعلم أنها قادمة، وقد أتت بالفعل؛ صدمة اليوم الأخير، والوداع، والعودة إلى الوطن.

أنا بطبعي أميل إلى الكسل والخمول، ولا سيما في السفر، حيث أفضّل المكوث في الفندق ما لم يكن هناك برنامجٌ محدّد للمهرجان. لطالما دعاني أصدقائي من الإعلاميين، بكل مودة، إلى مشاركتهم رحلاتهم السياحية، وكنت أعتذر منهم بكل احترام، لكنهم كانوا يصرّون على مرافقتي لهم.

وفي كل مرة أعود فيها من تلك البرامج أحمد الله على أنني ذهبت؛ إذ أكتشف جمال الطبيعة بعيدًا عن جدران الفندق الإسمنتية، وخارج إطار الكتب أو ما تبثه القنوات الفضائية.

حتى إن أحدهم قال لي ذات مرة: «بما أنك كاتب قصص، فأنا واثق أنك ستكتب نصوصًا إبداعية إذا رافقتنا». وكان هذا إغراءً جميلًا دغدغ غروري.

وبالفعل، أعود دائمًا ممتنًا لهم، مدركًا مدى كسلي وخمولي المتجدّد، ومقدّرًا للمكان الذي ساعدني على فتح نوافذ الخيال والاستمتاع، عن قرب، بجمال صنع الخالق.

والمفاجأة أن الشباب يخبرونني بأن صلالة كانت أكثر جمالًا قبل شهرين، فأتساءل مستغربًا: «أيعقل أن تكون أجمل مما أرى الآن؟». فيرد عليّ أحدهم: «نعم، كانت تكتسي بالمطر والضباب، وهواءٍ يدخل القلب فينعش الروح، ويجعلك كطفلٍ صغير يريد أن يصرخ، ويلعب، ويقفز؛ بل ويقف في وسط الطريق، يستقبل المطر بجسده كله صارخًا: ها أنا ذا أيها المطر!».

كنا ندرك حتمية تلك اللحظة، ونتمنى تأجيلها أو التغافل عنها؛ لأن استحضارها يفسد متعة الأيام التي تسبقها. فقد كنا ما بين جولاتٍ سياحية صباحية، وعروضٍ مسرحية ولقاءاتٍ مع المبدعين من الوطن العربي مساءً.

إنها لحظة الختام؛ وقت الاستعداد للسفر والوداع. لحظة مغادرة غرف الفندق، وفراق الأصدقاء الذين اعتدنا قضاء ساعاتٍ طويلة معهم، في ضحكٍ وحديثٍ لا ينتهي.

ستتحول الشوارع والمتاجر والمطاعم والأماكن الثقافية ووجوه الممثلين والكتّاب، وحتى العاملين الذين قدّموا لنا المشروبات، ولا سيما الكرك، والحلوى العُمانية، ورائحة اللبان والعطور، إلى ذكرياتٍ محفورة في الذاكرة. وكلما استعدتها، شعرت بالسكينة والامتنان؛ لكوني محظوظًا بزيارة ظفار، ولقاء أهل صلالة، والتعرّف إلى المسؤول والمثقف والصديق العُماني عن قرب؛ قرب العين والقلب والروح.

فسلامٌ عليكم يا أهل سلطنة عُمان، من أقصى البعيد وأدنى القريب.

وحين حان وقت الوداع والعودة إلى الوطن، اغرورقت العيون بالدموع، ولا سيما عيون الشباب الذين رافقونا في رحلاتنا الاستكشافية الساحرة. ولا أعلم يقينًا كيف تختصر الكلمات كل ذلك الجمال، لكنني أؤمن بأن  ظفار  وابنتها صلالة من أجمل بقاع الأرض؛ ففيهما يلتقي سحر الطبيعة بدفء الإنسان.