الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ سبتمبر-٢٠٢٦       115665

بقلم ـ ثامر الشهراني

لم يكن خطاب رشاد العليمي في ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر خطاباً احتفالياً، بل بدا أقرب إلى إعلان انتقال في إدارة الصراع: من احتواء الحرب إلى محاولة تغيير قواعدها.

العنوان الأكثر دلالة: نفير عام لاستعادة الدولة، وعفو لمن يقرر مغادرة صفوف الحوثيين.

وهذه الثنائية ليست صدفة؛ فالنفير يرفع كلفة البقاء في الحرب، بينما العفو يخفض كلفة الخروج منها. أي أن الرسالة لا تستهدف الجبهة وحدها، بل تستهدف أيضاً البيئة البشرية التي تستند إليها الحرب.

حين يدعو العليمي إلى التعبئة والالتحاق بالقوات المسلحة والأمن عبر القنوات الرسمية، فهو يضع التصعيد داخل إطار الدولة. وهنا يتحول الصراع من معركة على الأرض إلى سؤال أعمق: من يملك السلاح، ومن يملك قرار الحرب والسلام؟

أما العفو، فيحمل رسالة موازية: الدولة تفتح ممراً لمن يقرر الانسحاب، مع التأكيد على حقن الدماء ومنع الثأر والانتقام. وهذا يمنح العفو وظيفة سياسية تتجاوز البعد الإنساني؛ فهو يحاول فصل المقاتل عن القرار الذي يدفعه إلى القتال.

والتوقيت أكثر أهمية من مضمون الرسالة وحده. فالعليمي سبق أن تحدث عن استعادة المبادرة، وانتقد استمرار التعامل مع الحوثيين بمنطق الاحتواء باعتباره غير كافٍ لإنهاء التهديد. ومن هنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره رفعاً لسقف الضغط مع إبقاء باب التسوية مفتوحاً، ولكن بشروط مختلفة.

والحديث عن صنعاء ليس مجرد هدف جغرافي؛ فالمعركة عليها تعني، في جوهرها، استعادة مركز القرار اليمني. فالدولة لا تستعيد عاصمتها فقط باستعادة مبانيها، وإنما باستعادة مؤسساتها وقرارها واحتكارها للسلاح. ولذلك فإن الوصول إلى صنعاء لا ينهي الصراع تلقائياً؛ فالسؤال الأصعب: ماذا بعد؟

هنا يصبح العفو التام جزءاً من معادلة إنهاء الحرب: ضغط على القيادة الحوثية، ومخرج لمن ينسحب، ورسالة بأن الدولة لا تريد استبدال سلطة مسلحة بانتقام مفتوح.

لكن نجاح المعادلة يحتاج إلى قدرة عسكرية منظمة، وضمانات واضحة للعائدين، وترتيب سياسي يمنع إعادة إنتاج الصراع تحت عناوين جديدة.

لهذا فإن «النفير العام» ليس مجرد إعلان تعبئة، بل محاولة لنقل الحرب من صراع نفوذ إلى معركة على شكل الدولة.

وعليه، فإن خطاب العليمي يبدأ من محاولة تغيير قواعد إدارة الحرب، وينتهي باختبار القدرة على إنهائها؛ فالنفير يضغط على الميدان، والعفو يفتح منفذاً للخروج. ويبقى السؤال: هل يتحول هذا الانتقال من احتواء الصراع إلى تغييره، إلى طريق فعلي لاستعادة القرار والدولة وإغلاق باب الحرب؟

هنا تتحدد قيمة خطاب سبتمبر: ليس بما أعلنه فقط، بل بما يستطيع تحويله من خطاب إلى واقع.