الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ سبتمبر-٢٠٢٦       4620

بقلم : خالد الجاسم 

في البرامج الرياضية الحوارية، لا تكمن مهمة المقدم في طرح الأسئلة وإعطاء الضيوف مساحة للكلام فحسب، بل تظهر قيمته الحقيقية عندما يتجه النقاش نحو منطقة حساسة يمكن أن تتحول فيها كلمة عابرة إلى جدل واسع.

وهذا ما يجعل طريقة خالد جاسم في إدارة برنامج «المجلس» جديرة بالتوقف عندها، خصوصًا في المواقف التي تجمع بين الحماس الرياضي وحساسية الجمهور الخليجي.

في إحدى الحلقات الأخيرة، دار نقاش حول «تيفو» جماهير المنتخب السعودي، وتحدث أحد الضيوف عن الشكل الذي شاهده في المدرجات، متسائلًا بطريقة ساخرة عمّا إذا كان يمثل صقرًا أم بومة. ورغم أن الحديث جاء في سياق النقاش الرياضي، فإن مثل هذه العبارات يمكن أن تأخذ أكبر من حجمها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر برمز يرتبط بجمهور منتخب وجماهيرته.

هنا ظهرت شخصية خالد جاسم كمقدم يعرف متى يتدخل.

لم يسمح للحوار بأن يتحول إلى مواجهة شخصية، ولم يحوّل الموقف إلى خصومة بين الضيوف، وإنما تعامل معه باعتباره جزءًا من أجواء النقاش داخل «المجلس». تدخله أعاد توجيه مسار الحديث، وحافظ على روح البرنامج التي تقوم على اختلاف الآراء وحرية النقاش، مع إبقاء الحوار في إطار رياضي.

واللافت في أسلوب خالد جاسم أنه لا يحاول إلغاء شخصية الضيف عندما يختلف معه. فالضيف في «المجلس» يأتي ليقدم رأيه، والمقدم يأتي ليمنح النقاش اتجاهًا واضحًا. وهذه معادلة صعبة؛ لأن المقدم إذا تدخل أكثر من اللازم أصبح هو صاحب الرأي الوحيد، وإذا ترك الحوار بلا إدارة فقد يتحول الاختلاف إلى فوضى.

خالد جاسم، في هذه اللحظة تحديدًا، قدم نموذجًا للمقدم الذي يستطيع استخدام حضوره وشخصيته لضبط إيقاع الحوار من دون قتل عفويته.

والأهم أن الموقف لم يحتاج إلى محاضرة طويلة أو إلى توتر بين الأطراف. جملة واحدة وتدخل في التوقيت المناسب كانا كافيين لإعادة النقاش إلى مساره.

وهذه ربما إحدى نقاط قوة «المجلس» منذ سنوات: أن اختلاف الضيوف جزء من طبيعة البرنامج، لكن وجود مقدم قادر على إدارة هذا الاختلاف هو الذي يجعل الاختلاف مادة تلفزيونية بدل أن يتحول إلى مشكلة.

أما قصة «الصقر والبومة»، فقد تبدو في ظاهرها مجرد لقطة عابرة من نقاش رياضي، لكنها تكشف شيئًا أكبر يتعلق بصناعة الحوار التلفزيوني. فالجمهور لا يتابع المعلومة الرياضية وحدها؛ بل يتابع أيضًا طريقة اختلاف الأشخاص، وكيف يتدخل المقدم، وكيف يحافظ على توازن الحلقة عندما ترتفع حرارة النقاش.

وفي النهاية، قد يختلف المشاهدون حول تفسير التيفو أو حول تعليق الضيف أو حتى حول رد المقدم، لكن ما يصعب إنكاره هو أن مثل هذه اللحظات تختبر المقدم الحقيقي أكثر من الأسئلة التقليدية.

فالمقدم الناجح ليس من يمنع الاختلاف، وإنما من يعرف كيف يجعل الاختلاف يستمر دون أن يفقد الحوار احترامه.

وهذا تحديدًا ما يجعل خالد جاسم واحدًا من أبرز الوجوه المرتبطة بتجربة «المجلس»: حضور قوي، مساحة للضيف، وعين تعرف متى تتدخل.