الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ سبتمبر-٢٠٢٦       2640

وائل سعود العتيبي - جدة 

تحتفي جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر المقبل بالذكرى الـ77 لتأسيسها، في مناسبة تستعيد مسيرة دولة بدأت عام 1949 بمرحلة تأسيسية شديدة التعقيد، ثم مرت بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، قبل أن تصل إلى موقع متقدم في الاقتصاد العالمي، وتصبح اليوم شريكًا رئيسيًا للمملكة العربية السعودية في التجارة والاستثمار والطاقة والتقنية.

 

وفي حفل الاستقبال الذي أقامته القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية بجدة بهذه المناسبة، وضع سعادة القنصل العام يانغ يي مسيرة بلاده أمام الحضور في سياق يتجاوز الاحتفاء بالذكرى، مستعرضًا التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تشهدها الصين، ومؤكدًا أن عام 2026 يمثل محطة مهمة؛ إذ يتزامن مع الذكرى الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، وانطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة، فضلًا عن مرور عشر سنوات على إقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين والمملكة.

 

وتأتي الذكرى الـ77 في عام غير عادي بالنسبة إلى العلاقات السعودية–الصينية؛ إذ تتزامن مع مرور عقد على الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أُعلنت خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى المملكة في يناير 2016، فيما تعود العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الرياض وبكين إلى 21 يوليو 1990.

 

ومنذ تأسيس الجمهورية عام 1949، خاضت الصين مسارًا طويلًا لبناء مؤسسات الدولة وتطوير اقتصادها وقاعدتها الصناعية، وشكل عام 1978 نقطة تحول محورية مع إطلاق مرحلة الإصلاح والانفتاح التي أعادت توجيه الاقتصاد الصيني نحو مزيد من الانفتاح على التجارة والاستثمار، وأسهمت في موجة واسعة من التصنيع والتحضر والنمو الاقتصادي.

 

ومع مرور العقود، انتقلت الصين تدريجيًا من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الزراعة والصناعات الأساسية إلى قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة، امتدت إلى الإلكترونيات والاتصالات والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والبطاريات والذكاء الاصطناعي وغيرها من القطاعات ذات التقنية المتقدمة.

 

وأشار القنصل العام الصيني في كلمته إلى أن بلاده حققت خلال العقود السبعة الماضية ما وصفه بـ«معجزتين» تتمثلان في التنمية الاقتصادية السريعة والاستقرار الاجتماعي طويل الأمد، لافتًا إلى أن الصين تقود في الوقت الراهن مرحلة من التنمية عالية الجودة، مدفوعة بالابتكار والتكنولوجيا والانفتاح الاقتصادي.

 

ووفق الأرقام التي عرضها يانغ يي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 69.6 تريليون يوان، بزيادة سنوية بلغت 4.7%، فيما تجاوز حجم التجارة الصينية في السلع خلال الأشهر السبعة الأولى 30.13 تريليون يوان، متخطيًا للمرة الأولى حاجز 30 تريليون يوان خلال الفترة نفسها.

 

من التجارة إلى التقنية

 

وتكشف مسيرة العلاقات السعودية–الصينية خلال السنوات الأخيرة عن تحول واضح من التعاون التقليدي في التجارة والطاقة إلى شراكة أوسع تشمل الاستثمار والصناعة والتمويل والتقنية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والثقافة والتعليم والتبادل الشعبي.

 

وأكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال مباحثاته مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في بكين في يونيو 2026، أن السنوات العشر منذ تأسيس الشراكة الاستراتيجية الشاملة شهدت تقدمًا ملموسًا، داعيًا إلى توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والتنمية الخضراء وتعزيز التكامل بين البلدين. وفي المقابل، أكد وزير الخارجية السعودي أهمية تعميق التعاون في مجالات الاستثمار والتمويل والطاقة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التبادل الثقافي والشعبي.

 

وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان قد أكدا، خلال اتصال هاتفي في أبريل 2026، أهمية الذكرى العاشرة للشراكة الاستراتيجية الشاملة، وضرورة تعميق الثقة الاستراتيجية وتوسيع نطاق التعاون بين البلدين.

 

ويظهر البعد التقني في الشراكة بصورة متزايدة؛ إذ أشار القنصل العام إلى مشاركة أكثر من 30 شركة صينية مبتكرة في مجالات العلوم والتكنولوجيا في معرض LEAP 2026 بالرياض، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي والذكاء المتجسد والاقتصاد الرقمي أصبحت نقاط نمو جديدة للتعاون بين البلدين، مستشهدًا بالروبوت ذي الذكاء المتجسد المعروض خلال المناسبة بوصفه نموذجًا للتحول المتسارع في الصناعات الصينية الجديدة.

 

الصين في قلب الاقتصاد السعودي

 

وتظهر البيانات الاقتصادية حجم الحضور الصيني في الاقتصاد السعودي. ففي عام 2025 بلغت واردات المملكة من الصين نحو 261.2 مليار ريال، بزيادة 25.1% عن العام السابق، فيما بلغت الصادرات السعودية إلى الصين 170.4 مليار ريال، تصدرتها المنتجات النفطية والبتروكيماوية. كما تصدرت الآلات والمعدات الكهربائية والآلات والمعدات الصناعية والسيارات قائمة أبرز الواردات السعودية من الصين.

 

وفي مايو 2026، بلغت الواردات السعودية من الصين 14.9 مليار ريال، بما يعادل 22% من إجمالي واردات المملكة خلال الشهر، فيما بلغت الصادرات السعودية إلى الصين 11.6 مليار ريال.

 

وأكد القنصل العام أن الصين حافظت على موقعها كأكبر شريك تجاري للمملكة لمدة 13 عامًا متتالية، فيما ظلت السعودية أكبر شريك تجاري للصين في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، مشيرًا إلى تجاوز التجارة الثنائية في السلع حاجز 100 مليار دولار أمريكي لأربع سنوات متتالية، واقترابها من 50 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026.

 

وتكشف هذه الأرقام عن علاقة اقتصادية تتجاوز مجرد التبادل التجاري؛ فالصين تمثل مصدرًا مهمًا للآلات والمعدات والتقنيات والمنتجات الصناعية، بينما توفر المملكة للصين الطاقة والمنتجات البتروكيماوية وغيرها من المنتجات، في وقت تسعى فيه الرياض إلى تنويع قاعدة اقتصادها وزيادة الصادرات غير النفطية وتعميق التصنيع المحلي.

 

التحول الأخضر.. مساحة أخرى للشراكة

 

ولا تقتصر الرسائل التي حملتها المناسبة على الاقتصاد والتكنولوجيا، إذ أبرز القنصل العام التحول الأخضر الذي تشهده الصين، مشيرًا إلى أن بلاده أنشأت سلسلة صناعية متكاملة لمركبات الطاقة الجديدة، وتجاوز إنتاجها ومبيعاتها في 2025 حاجز 16.4 مليون وحدة لكل منهما، لتحتل المرتبة الأولى عالميًا للعام الحادي عشر على التوالي.

 

وخلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، بلغ إنتاج مركبات الطاقة الجديدة في الصين 10.668 مليون وحدة، فيما بلغت المبيعات 10.650 مليون وحدة، بزيادة سنوية بلغت 10.8% و10.7% على التوالي.

 

وربط يانغ يي هذا المسار بإمكانات التعاون مع المملكة، خصوصًا في مجالات الطاقة الجديدة والاقتصاد الأخضر ومكافحة التصحر والحد من زحف الرمال، وهي ملفات تتقاطع بصورة مباشرة مع مستهدفات التنمية السعودية.

 

وتشير البيانات السعودية إلى أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في المملكة بلغ 10.6 مليار ريال بنهاية 2024، مقارنة بـ9.3 مليار ريال في نهاية 2023، بما يعكس اتساع مساحة التعاون الاستثماري بين البلدين.

 

وتتقاطع هذه المصالح مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، خصوصًا في الصناعة والتقنية والطاقة المتجددة واللوجستيات والذكاء الاصطناعي والاستثمار، لتنتقل العلاقة تدريجيًا من سؤال حجم التجارة إلى سؤال القيمة المضافة التي يمكن أن تنتجها الشراكة في المرحلة المقبلة.

 

الشراكة في مواجهة عالم متغير

 

وفي الجانب السياسي، تناول القنصل العام في كلمته التحولات الدولية والإقليمية، مشيرًا إلى تصاعد الصراعات الجيوسياسية واتساع فجوة التنمية وتعثر بعض آليات التعددية الدولية، ومبرزًا المبادرات الأربع التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

 

كما استعرض الموقف الصيني من تطورات الشرق الأوسط، مشيرًا إلى اتصالات الرئيس شي جين بينغ مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وإلى الجهود التي بذلها المبعوث الخاص للحكومة الصينية لشؤون الشرق الأوسط عبر اتصالات ولقاءات مع مسؤولين في المنطقة، من بينهم وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في إطار المساعي الصينية لدعم السلام والاستقرار الإقليميين.

 

وأكد القنصل العام استعداد بلاده لمواصلة العمل مع المملكة لتنفيذ المبادرات العالمية الأربع، والدفع نحو منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا، وتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.

 

عقد من الشراكة.. وأفق أوسع

 

يصادف عام 2026 أيضًا الذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين والمملكة العربية السعودية. ويرى الجانب الصيني أن هذه السنوات العشر، المدفوعة بالتوجيه الاستراتيجي لقيادتي البلدين، نقلت العلاقات إلى مرحلة أكثر اتساعًا، وجعلتها نموذجًا للتعاون بين دولتين تنتميان إلى حضارتين مختلفتين.

 

وتتجاوز الشراكة الجانب الاقتصادي إلى المجال الإنساني والثقافي والتعليمي؛ إذ أشار القنصل العام إلى وصول الدفعة الثالثة من معلمي اللغة الصينية القادمين من الصين إلى المملكة للتدريس في المدارس الثانوية، بالتزامن مع تنامي التبادل بين طلاب الجامعات، وزيادة إقبال الطلاب السعوديين على الدراسة في الجامعات الصينية.

 

كما توقف عند المواءمة بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية السعودية 2030، معتبرًا الحضور السعودي والصيني في مجالات الاقتصاد والتجارة والعلوم والتكنولوجيا والثقافة والتعليم جزءًا من هذه الشراكة المتنامية.

 

وبينما تستعيد الصين في ذكرى تأسيس جمهوريتها الـ77 مسيرة بدأت عام 1949، تبدو المحطات الأكثر دلالة في تحولها الحديث واضحة: تأسيس الجمهورية، ثم الإصلاح والانفتاح منذ 1978، وصولًا إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي واسع الحضور في الأسواق العالمية.

 

أما في علاقتها مع السعودية، فتتقاطع هذه المسيرة مع محطة فارقة تتمثل في مرور عشر سنوات على الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

 

ولعل الصورة التي اختارها القنصل العام في ختام كلمته، حين ربط بين اكتمال القمر في الثقافة الصينية ورمزية الهلال في الثقافة العربية، تختصر جانبًا آخر من العلاقة؛ فالتعاون بين الرياض وبكين لا يتوقف عند التجارة والاستثمار، بل يمتد إلى جسور ثقافية وإنسانية تراكمت عبر السنوات.

 

وبين 77 عامًا من التحول الصيني وعقد من الشراكة الاستراتيجية السعودية–الصينية، تتجه العلاقة إلى مرحلة جديدة تتسع فيها مساحات التعاون في الاستثمار والصناعة والطاقة الجديدة والتقنية والذكاء الاصطناعي والتعليم والثقافة، بما يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها البلدان.