بقلم : علي حسن المفتاح
في مساء اليوم الوطني، تتغير ملامح المدن السعودية. تكتسي الشوارع بالأعلام، وتخرج العائلات إلى الميادين والواجهات والحدائق، وتمتلئ الطرق بالسيارات التي اختار أصحابها أن يشاركوا في المناسبة بطريقتهم الخاصة. أصوات الأطفال أعلى من المعتاد، والمطاعم والمقاهي أكثر ازدحامًا، والناس في حركة لا تهدأ حتى ساعات متأخرة من الليل.
وفي وسط هذا كله، هناك مشهد آخر يمر بنا غالبًا من دون أن نتوقف عنده.
في مستشفى ما، يبدأ طبيب مناوبته في الوقت الذي يبدأ فيه الناس استعدادهم للخروج. يمر المساء عليه بين غرفة طوارئ وأخرى، وبين مريض يحتاج إلى قرار عاجل وأسرة تنتظر خلف الباب خبرًا يطمئنها. ربما يرى من نافذة المستشفى أضواء السيارات المزينة بالأخضر، وربما يسمع شيئًا من أصوات الاحتفال في الخارج، ثم يعود إلى عمله؛ فالمريض أمامه لا يعرف أن اليوم إجازة، والمرض لا ينتظر انتهاء المناسبة.
وفي شارع مزدحم، يقف رجل أمن لساعات طويلة لتنظيم حركة السيارات. يمر أمامه آلاف الناس، بعضهم متجه إلى فعالية، وبعضهم عائد منها، وبعضهم يريد أن يصل إلى منزله قبل أن يزداد الزحام. وقد يكون في بيته أبناء ينتظرونه ليحتفل معهم، لكنه يعرف أن مهمته في ذلك المساء هي أن يجعل الآخرين يصلون إلى وجهاتهم بأمان.
وفي مكان آخر، يجلس موظف خلف شاشة في غرفة لا يعرفها الجمهور، يتابع خدمة لا يجوز أن تتوقف. لا توجد أمامه منصة احتفال ولا كاميرا ولا جمهور، وإنما شاشات وأرقام وبلاغات واتصالات، وأي تأخير في عمله قد يعني أن شخصًا في مكان آخر ينتظر خدمة يحتاج إليها.
وهناك سائق إسعاف يقطع شارعًا مزدحمًا بحثًا عن مسار سريع، وعامل في محطة وقود يواصل استقبال السيارات، وصيدلي يفتح باب الصيدلية لمن جاء يبحث عن دواء في وقت متأخر، وموظف في مطار يتعامل مع مسافر يريد أن يصل إلى أهله، وعامل نظافة ينتظر حتى تخف حركة الناس ليبدأ عملًا لا يلتفت إليه كثيرون إلا إذا لم يُنجز.
هذه التفاصيل لا تظهر كثيرًا في صور اليوم الوطني، لكنها جزء من اليوم الوطني نفسه.
فنحن نميل، بطبيعة الحال، إلى رؤية المناسبات من زاوية الاحتفال؛ وهذا حق الناس وفرحتهم. لكن المدن لا تستطيع أن تأخذ إجازة كاملة، والمستشفيات لا تستطيع إغلاق أبوابها، والطائرات لا تتوقف في المطارات، والطرق لا يمكن أن تترك من دون تنظيم، والخدمات الأساسية لا تنتظر حتى تنتهي الأغاني والألعاب النارية.
هناك دائمًا من يواصل العمل.
وأحيانًا يكون أجمل ما في هؤلاء أنهم لا يرون فيما يفعلونه قصة تستحق أن تُروى. تسأل أحدهم لماذا يعمل في اليوم الوطني، فيقول لك بكل بساطة: «مناوب». وكأن المسألة لا تحتاج إلى أكثر من ذلك.
وراء هذه الكلمة ساعات طويلة قضاها في موقعه، وأسرة ربما كان يتمنى أن يكون معها، واحتفال مرّ من أمامه دون أن يشارك فيه كما شارك الآخرون.
ولا أعتقد أن علينا أن نحمّل كل شخص يعمل في هذه الأيام معنى أكبر مما يحتمل؛ فالمناوبات جزء من طبيعة كثير من المهن، وكل موظف لديه التزام مهني يؤديه. لكننا، كمجتمع، نستفيد من هذا العمل في الوقت الذي نعيش فيه مناسبتنا بكل راحة. وهذه وحدها تستحق التقدير.
قبل سنوات، كان منظر رجل الأمن في الشارع أو الطبيب في المستشفى أو العامل الذي ينظف مكانًا عامًا مألوفًا إلى درجة أننا بالكاد ننتبه إليه. وربما مع كثرة الفعاليات واتساع المدن وتنوع احتياجات الناس، أصبح من المهم أن نعيد النظر في هذه المشاهد اليومية، وأن ندرك أن ما نسميه «الحياة الطبيعية» ليس أمرًا يحدث من تلقاء نفسه.
الحياة الطبيعية التي نعيشها تحتاج إلى أناس يحافظون عليها.
حين يخرج الأب بأطفاله في المساء ويعود بهم إلى المنزل، فهو يفترض أن الطريق سيكون منظمًا. وحين يذهب أحدنا إلى المستشفى، فهو يفترض أن يجد الطبيب والممرض والخدمة متاحة. وحين نركب الطائرة في يوم مزدحم، نفترض أن هناك من يعمل في المطار حتى تسير الرحلات. وحين نستيقظ في صباح اليوم التالي ونجد الشوارع نظيفة والخدمات تعمل، لا نسأل عادة من كان موجودًا عندما كنا نحتفل.
وربما لا ينبغي أن نسأل عن أسمائهم جميعًا.
لكن ينبغي ألا ننسى وجودهم.
في كل مناسبة وطنية، نكثر من الحديث عن الذين بنوا هذا الوطن، وعن الذين أسهموا في مسيرته، وعن الأجيال التي حملت مسؤولية التأسيس والبناء. وهذه صفحات مهمة من الذاكرة الوطنية، لكن هناك أيضًا مساهمة يومية هادئة لا تدخل عادة في العناوين الكبيرة: موظف يؤدي عمله كما ينبغي، طبيب يبقى إلى نهاية مناوبته، رجل أمن يؤدي مهمته، عامل ينهي عمله في وقت لا يراه فيه أحد، وموظف خدمة عامة يعرف أن الشخص الذي أمامه ينتظر منه أن يؤدي دوره على الوجه الصحيح.
قد لا يبدو ذلك عملًا بطوليًا.
وهو ليس بحاجة إلى أن يكون كذلك.
يكفي أنه عمل ضروري.
ولذلك، حين نحتفل باليوم الوطني، ربما من الجميل أن نترك مساحة صغيرة في ذاكرتنا لأولئك الذين مرّ عليهم اليوم مثل بقية الأيام، لأن عليهم أن يؤدوا أعمالهم حتى يعيش الآخرون يومهم كما يريدون.
قد نراهم ونحن في طريقنا إلى فعالية، أو ونحن نخرج من مستشفى، أو عند إشارة مرورية، أو في مطار، أو في شارع انتهى فيه الاحتفال وبقيت آثاره.
وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لهم ليس خطابًا طويلًا، وإنما كلمة صادقة: شكرًا.
شكرًا لمن كان في موقعه حين كنا في مواقع الاحتفال.
وشكرًا لمن أبقى أبواب الخدمة مفتوحة عندما كانت أبواب البيوت مفتوحة على جلسات العائلة والفرح.
وشكرًا لمن اختار أو اضطر إلى أن يكمل عمله في اليوم الذي كان فيه معظم الناس يستمتعون بإجازتهم.
فالأوطان لا تتقدم فقط في المشاهد الكبيرة التي نراها ونصورها، وإنما أيضًا في آلاف الأعمال اليومية التي تتم بهدوء، ثم نمضي في حياتنا وكأنها أمر مفروغ منه.
وفي اليوم الوطني تحديدًا، ربما نحتاج أن نلتفت قليلًا إلى هذه الصورة.
نرفع الأعلام ونحتفل، ونفرح بما وصلت إليه بلادنا، وهذا حق مشروع ومستحق. لكن خلف كل مناسبة ناجحة مدينة تعمل، وخلف كل مدينة أناس في مواقعهم، وخلف كل خدمة نستخدمها شخص يؤدي واجبه.
بينما نحتفل بالوطن، هناك من يعمل لكي تستمر الحياة في الوطن.
وهؤلاء، حتى وإن لم تظهر صورهم في واجهة الاحتفال، هم جزء من حكايته.