الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ سبتمبر-٢٠٢٦       2035

بقلم-  أ. خلود بنت فيصل الزهراني
ارتبط تأسيس الدولة السعودية الحديثة بقيادة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الذي لم يقتصر دوره على توحيد البلاد وبناء مؤسسات الدولة، بل عمل منذ السنوات الأولى على تأسيس علاقات خارجية تتناسب مع الدولة الحديثة ومصالحها.
وبعد استعادة الرياض عام 1319هـ/1902م، كانت السياسة الخارجية في بدايتها مرتبطة بصورة مباشرة بالملك عبد العزيز؛ فلم تكن للدولة وزارة للخارجية أو جهاز دبلوماسي متكامل، ولذلك تولى الملك بنفسه جانبًا كبيرًا من الاتصالات والمراسلات والمفاوضات مع القوى والدول ذات الصلة بالمنطقة، ولا سيما بريطانيا والدولة العثمانية، ومع اتساع الدولة وضم مناطق جديدة، تطورت الحاجة إلى تنظيم الشؤون الخارجية وإنشاء جهاز إداري يتولى هذه المهمة.
وفي هذا الإطار، كان لاتصال الملك عبد العزيز بالممثلين السياسيين للدول الأجنبية أثر في توسيع علاقات الدولة السعودية بالعالم الخارجي، وبعد ضم الأحساء عام 1331هـ/1913م، ازدادت أهمية هذه العلاقات نتيجة اتصال الدولة بالخليج العربي وانفتاحها بصورة أكبر على العالم الخارجي، واستقبل الملك عبد العزيز خلال هذه المرحلة عددًا من المبعوثين والشخصيات السياسية الأوروبية، واتسم تعامله مع القوى الدولية بالموازنة بين تطوير العلاقات الخارجية والمحافظة على مصالح الدولة واستقلالها.
ومع اتساع الدولة، برزت الحاجة إلى تطوير الجهاز المسؤول عن العلاقات الخارجية، خاصة مع دخول الحجاز تحت حكم الملك عبد العزيز، فأنشئت مديرية الشؤون الخارجية في مكة المكرمة عام 1344هـ/1926م، ومع ازدياد العلاقات الخارجية للدولة، صدر في شهر رجب 1349هـ/ ديسمبر 1930م أمر ملكي بإنشاء وزارة للخارجية، وتعيين الأمير فيصل بن عبد العزيز وزيرًا لها، وبذلك أصبحت الشؤون الخارجية أكثر تنظيمًا من خلال جهاز إداري متخصص، مع استمرار إشراف الملك عبد العزيز على توجهاتها الأساسية.
ولم تقتصر السياسة الخارجية في عهد الملك عبد العزيز على العلاقات الثنائية، بل امتدت إلى المشاركة في عدد من الاتفاقيات الدولية، فقد انضمت المملكة إلى ميثاق تحريم الحرب (كيلوج بريان)، كما شاركت في اتفاقيات دولية تتعلق بمكافحة المخدرات، وهو ما ارتبط بتوسع علاقاتها واتصالها بالمجتمع الدولي خلال تلك المرحلة.
وكان من أبرز مظاهر الحضور الدولي للمملكة في عهد الملك عبد العزيز توقيع ممثل المملكة على ميثاق الأمم المتحدة، ففي عام ١٣٦٤هـ/١٩٤٥م شاركت المملكة في مؤتمر سان فرانسيسكو، ومثّلها الأمير فيصل بن عبد العزيز، الذي وقّع نيابةً عن حكومة المملكة العربية السعودية على الميثاق، ثم صدّق الملك عبد العزيز عليه، وبذلك أصبحت المملكة من الدول المؤسسة للمنظمة.
وعلى الصعيد العربي، اهتم الملك عبد العزيز مبكرًا بفكرة التعاون بين الدول العربية، ففي أثناء الحرب العالمية الأولى دعا عددًا من زعماء الجزيرة العربية إلى التشاور والتعاون بشأن التطورات السياسية التي كانت تمر بها المنطقة، واستمر اهتمامه بفكرة التقارب العربي خلال السنوات التالية، حتى شاركت المملكة في الجهود التي انتهت إلى إنشاء جامعة الدول العربية، وحرص الملك عبد العزيز في المباحثات المتعلقة بالجامعة على أن تقوم العلاقات بين الدول العربية على التعاون والتشاور.
وخلاصة القول، اتجهت السياسة الخارجية في عهد الملك عبد العزيز من إدارة العلاقات الخارجية بصورة مباشرة إلى بناء عمل دبلوماسي أكثر تنظيمًا، تزامن مع توحيد البلاد واتساع الدولة وتطور مؤسساتها، ولم يقتصر هذا المسار على إقامة العلاقات مع الدول، بل امتد إلى المشاركة في الاتفاقيات والمنظمات الدولية، إلى جانب الإسهام في جهود التعاون العربي، وبذلك شكلت السياسة الخارجية جانبًا أساسيًا من ترسيخ مكانة المملكة العربية السعودية، وتعزيز حضورها في محيطها العربي والدولي، مع المحافظة على استقلالها ومصالحها في إدارة علاقاتها الخارجية.