وائل سعود العتيبي – جدة- النهار
فتح الناقد والباحث السينمائي الدكتور علي زعلة ملف استقلال النقد السينمائي السعودي، مؤكدًا أن علاقة الناقد بصنّاع الأفلام والمؤسسات والمهرجانات ينبغي ألا تتحول إلى علاقة تفقده المسافة النقدية اللازمة لممارسة دوره.
وقال زعلة إن «الناقد ليس خصمًا للمخرج، لكنه ليس جزءًا من فريق العلاقات العامة للفيلم»، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن في أن يعمل الناقد محكمًا أو مبرمجًا أو مستشارًا في المهرجانات، وإنما في فقدانه المسافة التي تتيح له ممارسة النقد باستقلالية.
وأوضح أن الناقد يستطيع أن يكون جزءًا من المنظومة السينمائية في مواقع مختلفة، بل إن هذه الخبرات قد توسع معرفته، لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح حضوره المؤسسي والعلاقات المرتبطة به أهم من الكتابة والمساءلة.
وقال: «النقد يحتاج إلى قدر من العزلة، لا بمعنى الخصومة مع الصانع، بل القدرة على أن تحترمه وتحاوره ثم تختلف معه»، مشددًا على أن الناقد لا يفترض أن يكون خصمًا للمخرج، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى امتداد للعلاقات العامة للفيلم.
ورأى زعلة أن المعيار الأكثر وضوحًا لاستقلال الناقد يتمثل في قدرته على اتخاذ موقف نقدي صريح عندما يراه ضروريًا، قائلًا: «هل ما زال الناقد قادرًا على قول لا حين يعتقد أنها الإجابة الصحيحة؟ إذا فقد هذه القدرة، فقد جزءًا جوهريًا من وظيفته».
وفي سياق حديثه عن واقع النقد السينمائي السعودي، أشار إلى أن تطور الإنتاج السينمائي كان أسرع من تطور الخطاب النقدي، موضحًا أن المملكة تشهد اليوم حركة واسعة من الأفلام والصالات والمنصات والمهرجانات والأخبار السينمائية، فيما لا يزال النقد الجاد أقل حضورًا من الخبر والانطباع والتقييم السريع.
وفرّق زعلة بين الصحافة السينمائية والنقد، مؤكدًا أن الخبر والمقابلة والتقرير والانطباع أدوات مهمة، لكنها لا تقوم مقام المقال النقدي الذي يحتاج إلى مشاهدة متأنية ومعرفة باللغة السينمائية وقدرة على تفكيك الصورة والصوت والزمن والمكان والشخصيات وعلاقتها بالمعنى.
وانتقد في الوقت ذاته بعض الممارسات النقدية التي تجعل التعقيد اللغوي غاية في ذاته، موضحًا أن بعض النقاد يكتبون بلغة مغلقة وكأنهم يخاطبون لجنة من المختصين، بينما «أصعب الكتابة أن تقدم فكرة مركبة بوضوح ورشاقة».
ودعا الجيل الجديد من النقاد السعوديين إلى توسيع أدواتهم المعرفية، مؤكدًا أن السينما تتقاطع مع التاريخ والأدب والفلسفة والموسيقى والفنون التشكيلية وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة، وأن الناقد لا يستطيع بناء رؤيته من مشاهدة الأفلام وحدها.
كما حذر من تحويل النقد إلى استعراض نظري، موضحًا أن النظريات يجب أن تكون أداة لرؤية ما في الفيلم، لا وسيلة لإثبات دقة المنهج أو استعراض أسماء الفلاسفة.
وفي موقف لافت، دعا زعلة النقاد إلى تحقيق التوازن بين الانتماء إلى التجربة السينمائية السعودية والقدرة على مساءلتها، قائلًا إن الفيلم السعودي «لا يحتاج ناقدًا يصفق له لأنه سعودي، ولا ناقدًا يهدمه ليثبت استقلاليته؛ يحتاج قارئًا جادًا ومنصفًا يرى الجمال والخلل في اللحظة نفسها».
وأكد أن النقد في جوهره ليس حكمًا يصدر من موقع أعلى من الفيلم، وإنما ممارسة إبداعية ومعرفية موازية له، تدخل في حوار مع العمل وتمنحه حياة أخرى بعد انتهاء العرض.