الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ سبتمبر-٢٠٢٦       18150

بقلم: طارق محمود نواب

ليست كل العهود حبرًا على ورق، ولا كل البيعات لحظةً عابرةً في سجل الزمن؛ فثمة عهود تسكن الوجدان قبل أن تحفظها الوثائق، وثمة ولاءات تنبت في الأرض حتى تصبح جزءًا من هويتها. وهكذا كانت علاقة السعوديين بحكامنا العظام الأفذاذ آل سعود؛ علاقة وطن بقيادته، وذاكرة بمجدها، وحاضر بمستقبله. ولذلك، حين نقول: اللهم احفظ آل سعود حتى قيام الساعة، فنحن لا نردد عبارة عاطفية عابرة، وإنما نستحضر تاريخًا طويلًا من البناء والوحدة والاستقرار، ونعبّر عن محبة ووفاء راسخين في وجدان أبناء هذا الوطن العظيم.

 

فمنذ أن ارتفعت راية الدولة السعودية الأولى في الدرعية، بدأت حكاية دولة ووطن، وصُنع في قلب الجزيرة العربية مشروع دولة، ثم توالت المراحل حتى أطل المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز، فجمع الشتات، ووحّد الأرض، وأرسى كيانًا شامخًا اسمه المملكة العربية السعودية. ثم حمل أبناؤه من بعده الأمانة جيلًا بعد جيل، فكان الحكم امتدادًا لمسيرة دولة تعرف جذورها، وتدرك مسؤوليتها، وتبني حاضرها ببصيرة تستشرف المستقبل.

 

ولأن الأوطان لا تستقيم بالشعارات وحدها، فقد كان سر هذه العلاقة أن المواطن رأى وطنه يكبر أمام عينيه، ورأى الأمن يمد ظلاله على مدنه وقراه، كما رأى التعليم والصحة والطرق والجامعات والصناعة والتنمية تتحول من طموحات إلى شواهد قائمة. ولذلك لم تكن البيعة مجرد تقليد سياسي، بل أصبحت معنى وطنيًا تتوارثه الأجيال، وهي تدرك أن الاستقرار أثمن ثروات الدول، وأن وحدة الصف سياجها الأول.

 

واليوم، مع سيدي ومولاي الملك سلمان بن عبدالعزيز، تمضي هذه المسيرة بما يحمله من خبرة الدولة وذاكرة التاريخ، ومع سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يمضي وطننا نحو آفاق غير مسبوقة من التحول والطموح وصناعة المستقبل، حتى أصبحت السعودية حاضرة بثقلها في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتقنية والاستثمار، وأصبح اسمها مقرونًا بالمبادرة والإنجاز والقدرة على تحويل الأحلام الكبرى إلى مشروعات يراها العالم واقعًا.

 

ومن هنا، فإن الوفاء لآل سعود ليس وقوفًا عند صفحات الماضي، بل هو إيمان بمسيرة وطن صنعت وحدته بالتضحيات، وتحمي مكتسباته بالوعي، وتواصل نهضته بالعمل. كما أن المحبة الصادقة لا تعني الاكتفاء بالكلمات، وإنما تظهر في المحافظة على الوطن، والالتفاف حول قيادته، والقيام بالمسؤولية، واحترام النظام، والإسهام في البناء؛ لأن المواطن شريك في صيانة المنجز، وحارس لقيم المجتمع وأمنه ووحدته.

 

ولعل أجمل ما في السعودية العظمى أن العلاقة بين القيادة والشعب لا تحتاج في كل مناسبة إلى تعريف جديد؛ فهي حاضرة في المواقف، وتظهر عند الشدائد، وتزداد رسوخًا كلما حاول عابر أن يختبر تماسك هذا الوطن. فالسعوديون يعرفون قيمة دارهم، ويعرفون أن الراية التي جمعتهم تسمو فوق كل اعتبار، وأن الوطن أكبر من المصالح العابرة، وأبقى من الضجيج، وأسمى من المزايدات.

 

إنها السعودية العظمى التي بدأت من عمق التاريخ ولم تتوقف عنده، بل جعلت منه منصة تعبر بها إلى المستقبل. وهي اليوم تمضي بثقة، فلا تنسى مؤسسها ولا رجاله ولا التضحيات التي صنعت وحدتها. ولذلك يبقى العهد ممتدًا، والوفاء متجددًا، والبيعة راسخة في الأعناق، والمحبة مستقرة في القلوب ما بقيت الراية خفاقة فوق هذه الأرض.

 

ويمضي الزمان، وتتوالى الأجيال، ويبقى حكامنا آل سعود في ضمير الجزيرة العربية ميثاقًا موصولًا، وفي ذاكرة التاريخ سؤددًا عصيًا على الأفول، إلى قيام الساعة بإذن الله.